تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 906

مساهمون:

ص٩٠٦
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( 173 ) ( سورة الأعراف ) يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن اللّه ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو كما أنه فطرهم على ذلك . ثم بعد أن أخرجهم إلى الوجود من آدم جاء للخلق الأول وهو آدم وأعطاه المنهج وكانت الأهواء غير موجودة ، فظل المنهج مطبقا بين بني آدم . وبعد ذلك تعددت الأهواء ، وتعدد الأهواء إنما ينشأ عن الاستئثار بالمنافع ، وذلك بسبب الخوف من استئثار الغير ، فنشأ حب الذات . ولما كانت المنافع لا تتسع لأطماع الناس فقد استشرى حب الاستئثار والتملك . ونجد هذه المسألة واضحة حينما تتوافر السلع وتغمر الأسواق . وتستطيع أن تشترى أي سلعة في أي وقت تحب ، وتجدها متوافرة ، عند ذلك لا توجد أزمة ، لكن الأزمة تنشأ عندما تقل الكميات المعروضة من السلع عن حاجة الناس ، فيتكالب الناس على الاستئثار بها . وهكذا نعرف أن المنافع عندما توجد ، وتكون دون الأطماع هنا تتولد المشكلات . ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالخلق ، ومن تمام علمه سبحانه بضعف البشر أمام أهوائهم وأمام استئثارهم بالمنافع ، أرسل الرسل إلى البشر ليبشروا ولينذروا .
« وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ »
فكأن الحق لم يشأ أن يترك البشر ليختلفوا ، وإنما الغفلة من الناس هي التي أوجدت هذا الاختلاف .
« مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ »
ومن هذا القول الحكيم نعرف أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغى ، والبغى هو أن يريد الإنسان أن يأخذ غير حقه . وما دام كل
تفسير الشعراوي — صفحة 906 | محمد متولي الشعراوي