وما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
( 30 ) [ المطففين : 29 - 30 ] وكقوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
[ الأنعام : 53 ] الآية وكل ذلك احتقار منهم لهم ، وإنكارهم أن اللّه يمن عليهم بخير ، وكقوله تعالى :
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
[ الأعراف : 49 ] الآية . وقوله تعالى عنهم :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
[ الأحقاف : 11 ] وكل ذلك احتقار منهم لهم . وقوله :
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
والسخري بالضم والكسر : مصدر سخر منه ، إذا استهزأ به على سبيل الاحتقار . قال الزمخشري في ياء النسب : زيادة في الفعل ، كما قيل في الخصوصية بمعنى الخصوص ، ومعناه : أن الياء المشددة في آخره تدل على زيادة سخرهم منهم : ومبالغتهم في ذلك ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي : سخريا بضم السين ، والباقون بكسرها ومعنى القراءتين واحد ، وهو سخرية الكفار واستهزاؤهم بضعفاء المؤمنين ، كما بينا . وممن قال بأن معناهما واحد : الخليل وسيبويه ، وهو الحق إن شاء اللّه تعالى . وعن الكسائي والفراء : أن السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرنا من الاستهزاء ، وأن السخري بضم السين من التسخير ، الذي هو التذليل والعبودية .
والمعنى : أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين ، ويستعبدونهم كما كان يفعله أمية بن خلف ببلال ، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء اللّه تعالى ، وحتى في قوله :
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
حرف غاية ، لاتخاذهم إياهم سخريا : أي لم يزالوا كذلك ، حتى أنساهم ذلك ذكر اللّه والإيمان به ، فكان مأواهم النار ، والعياذ باللّه .
قوله تعالى :
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 )
[ 111 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جزى أولئك المؤمنين المستضعفين في الدنيا بالفوز بالجنة في الآخرة . وقوله :
بِما صَبَرُوا
أي بسبب صبرهم في دار الدنيا ، على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريا ، وعلى غير ذلك من امتثال أمر اللّه ، واجتناب نهيه ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، من أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم ، جزاهم اللّه يوم القيامة الفوز بجنته ، ورضوانه ، جاء مبينا في مواضع أخر مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار ، ويضحكون منهم ، والكفار في النار . والعياذ باللّه كقوله تعالى :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
( 36 ) [ المطففين : 34 - 36 ] وقوله تعالى :
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
( 49 ) [ الأعراف : 49 ] وقوله :
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ البقرة : 212 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقرأ حمزة والكسائي : إنهم هم الفائزون بكسر همزة إن ، وعلى قراءتهما فمفعول