تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
وقوله هنا :
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
( 106 ) الظاهر أن معنى قولهم :
غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
أن الرسل بلغتهم ، وأنذرتهم وتلت عليهم آيات ربهم ، ولكن ما سبق في علم اللّه من شقاوتهم الأزلية ، غلب عليهم ، فكذبوا الرسل ، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا ، من شقاوتهم . ونظير الآية على هذا الوجه قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 97 ) [ يونس : 96 - 97 ] وقوله عن أهل النار
قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ
( 71 ) [ الزمر : 71 ] إلى غير ذلك من الآيات ، ويزيد ذلك إيضاحا قوله صلى اللّه عليه وسلم « كلّ ميسر لما خلق له » « 1 » وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] وقوله :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
[ هود : 118 - 119 ] على أصح التفسيرين وقوله عنهم
وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
( 106 ) اعتراف منهم بضلالهم ، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب ولا الندم عليه ، كقوله تعالى :
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
( 11 ) [ الملك : 11 ] ونحو ذلك من الآيات . وهذا الذي فسرنا به الآية ، هو الأظهر الذي دل عليه الكتاب والسنة ، وبه تعلم أن قول أبي عبد اللّه القرطبي في تفسير هذه الآية ، وأحسن ما قيل في معناه : غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا ، فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها كما قال اللّه عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
[ النساء : 10 ] لأن ذلك يؤديهم إلى النار ا ه تكلف مخالف للتحقيق . ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل ثم قال : وقيل حسن الظن بالنفس ، وسوء الظن بالخلق ا ه . ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء اللّه تعالى ، وقوله هنا :
قَوْماً ضالِّينَ
( 106 ) أي عن الإسلام إلى الكفر ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار ، وقرأ هذا الحرف : حمزة ، والكسائي : شقاوتنا بفتح الشين ، والقاف وألف بعدها ، وقرأه الباقون : بكسر الشين ، وإسكان القاف وحذف الألف . قوله تعالى :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 )
[ 107 - 108 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن أهل النار يدعون ربهم فيها فيقولون : ربنا أخرجنا منها فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها ، فإنا ظالمون ، وأن اللّه يجيبهم بقوله :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 ) أي امكثوا فيها خاسئين : أي أذلاء صاغرين حقيرين ،
هامش
( 1 ) . أخرجه عن عمران بن حصين : البخاري في القدر حديث 6596 ، ومسلم في القدر حديث 9 .