صدقهم اللّه جل وعلا في قلة لبثهم في الدنيا بقوله :
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 114 ) [ المؤمنون : 114 ] لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جدا . بالنسبة إلى طول مدتهم خالدين في النار ، والعياذ باللّه . وقرأ حمزة والكسائي : قل إن لبثتم إلا قليلا بصيغة الأمر والباقون بصيغة الماضي .
قوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 )
[ 115 - 116 ] .
الاستفهام في قوله : أفحسبتم للانكار ، والحسبان هنا معناه : الظن . يعني : أظننتم أنا خلقناكم عبثا لا لحكمة ، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة ، فنجازيكم على أعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا شر ، ثم نزّه جل وعلا نفسه ، عن أن يكون خلقهم عبثا ، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء .
وقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
( 116 ) أي تعاظم وتقدس ، وتنزه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ، ومنه خلقكم عبثا سبحانه وتعالى ، عن ذلك علوا كبيرا .
وما تضمنته هذه الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص :
27 ] وقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الدخان : 38 - 39 ] وقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
( 39 ) [ القيامة : 36 - 39 ] وقوله : سدى : أي مهملا لا يحاسب ولا يجازي ، وهو محل إنكار ظن ذلك في قوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
( 36 ) [ القيامة : 36 ] وقوله : عبثا : يجوز إعرابه حالا ، لأنه مصدر منكر أي إنما خلقناكم في حال كوننا عابثين ، ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله : أي إنما خلقناكم ، لأجل العبث لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم ، وأعربه بعضهم مفعولا مطلقا ، وليس بظاهر .
قال القرطبي عبثا : أي مهملين ، والعبث في اللغة : اللعب ، ويدل على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
( 38 ) [ الدخان : 38 ] وقوله :
الْمَلِكُ الْحَقُّ
قال بعضهم أي الذي يحق له الملك ، لأن كل شيء منه وإليه . وقال بعضهم : الملك الحق : الثابت الذي لا يزول ملكه ، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
[ النحل : 52 ] وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه والظاهر أن قوله :
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 ) معطوف على قوله :
أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
خلافا لمن قال : إنه معطوف على قوله : عبثا ، لأن الأول أظهر منه والعلم عند اللّه تعالى .