تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
قوله تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 )
[ 117 ] . البرهان : الدليل الذي لا يترك في الحق لبسا ، وقوله : لا برهان له به كقوله
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
[ الحج : 71 ] الآية . والسلطان : هو الحجة الواضحة وهو بمعنى : البرهان وقوله في هذه الآية الكريمة
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
قد بين أن حسابه الذي عند ربه ، لا فلاح له فيه بقوله بعده
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
( 117 ) وأعظم الكفارين كفرا هو من يدعو مع اللّه إلها آخر ، لا برهان له به ، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهل النار ، وقد حذر اللّه من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله :
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 51 ) [ الذاريات : 51 ] وقوله :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 88 ) [ القصص : 88 ] وقوله تعالى :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا
( 22 ) [ الإسراء : 22 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
لا مفهوم مخالفة له ، فلا يصح لأحد أن يقول : أما من عبد معه إلها آخر له برهان به فلا مانع من ذلك ، لاستحالة وجود برهان على عبادة آله آخر معه ، بل البراهين القطعية المتواترة ، دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره البتة . وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة ، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكرا لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم ، فتخصيصه بالذكر إذا ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع . ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله :
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
وصف مطابق للواقع ، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان ، فذكر الوصف لموافقته الواقع ، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق . ومن أمثلته في القرآن أيضا قوله تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 28 ] لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين ، فقوله
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم ، عن حكم المنطوق ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ، ممنوع على كل حال ، وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله :
أو امتنان أو وفاق الواقع * والجهل والتأكيد عند السامع
وقوله تعالى في خاتمة هذه السورة الكريمة :
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
( 118 ) فيه الدليل على أن ذلك الفريق ، الذين كانوا يقولون : ربنا آمنا ، فاغفر لنا ، وارحمنا ، وأنت