تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
التمادي في الكفر والضلال . والطغيان : مجاوزة الحد ، وهو كفرهم باللّه ، وادعاؤهم له الأولاد والشركاء ، وقوله : يعمهون : يترددون متحيرين لا يميزون حقا ، من باطل . وقال بعض أهل العلم : العمة : عمى القلب ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 )
[ 76 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب ، والظاهر أنه هنا : العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب ، والأمراض والشدائد ،
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ
أي ما خضعوا له ، ولا ذلوا
وَما يَتَضَرَّعُونَ
( 76 ) أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين له ، ليكشف عنهم ذلك العذاب لشدة قسوة قلوبهم ، وبعدهم من الاتعاظ ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب اللّه لهم . وهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأنعام :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 43 ) [ الأنعام : 42 - 43 ] وقوله في سورة الأعراف :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 95 ) [ الأعراف : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 78 )
[ 78 ] . قد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 ) [ النحل : 78 ] وبينا هناك وجه أفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 )
[ 79 ] . ذرأكم معناه : خلقكم ، ومنه قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الأعراف : 179 ] الآية وقوله في الأرض : أي خلقكم وبثكم في الأرض ، عن طريق التناسل ، كما قال تعالى :
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
[ النساء : 1 ] الآية وقال :
ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( 20 ) [ الروم : 20 ] وقوله :
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
( 79 ) أي إليه وحده ، تجمعون يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب . وما تضمنته هذه الآية ، من أنه خلقهم ، وبثهم في الأرض . وأنه سيحشرهم إليه يوم القيامة . جاء معناه في آيات كثيرة كقوله في أول هذه السورة
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
( 12 ) [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله :
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
( 16 ) [ المؤمنون : 16 ] وذكر جل وعلا أيضا هاتين الآيتين في سورة الملك في قوله تعالى :
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 551 | الشنقيطي