تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
وقد بين أبو طالب في شعره : أن السبب المانع له من اعتناق الإسلام ليس كراهية الحق ، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له كما في قوله :
لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمعا بذاك يقينا
قوله تعالى :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
[ 71 ] . اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية ، فقال بعضهم : الحق : هو اللّه تعالى ، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى ، كما في قوله تعالى :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
( 25 ) [ النور : 25 ] وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
[ الحج : 62 ] وكون المراد بالحق في الآية : هو اللّه عزاه القرطبي للأكثرين ، وممن قال به : مجاهد وابن جريح ، وأبو صالح ، والسدي . وروي عن قتادة ، وغيرهم . وعلى هذا القول فالمعنى لو أجابهم اللّه إلى تشريع ما أحبوا تشريعه وإرسال من اقترحوا إرسالة ، بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعا لأهوائهم الفاسدة ، لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن ، لأن أهواءهم الفاسدة وشهواتهم الباطلة ، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض وذلك لفساد أهوائهم ، واختلافها . فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن ، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع . ومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح ، لأن تكون متبعة قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ الزخرف : 31 ] لأن القرآن لو أنزل على أحد الرجلين المذكورين ، وهو كافر يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك . وقد رد اللّه عليهم بقوله :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
[ الزخرف : 32 ] الآية وقال تعالى :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
( 100 ) [ الإسراء : 100 ] وقال تعالى :
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً
( 53 ) [ النساء : 53 ] قال ابن كثير رحمه اللّه : ففي هذا كله تبيين عجز العباد ، واختلاف آرائهم وأهوائهم ، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه سبحانه وتعالى علوا كبيرا . ومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدة السماوات والأرض ومن فيهن قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] فسبحان اللّه رب العرش عما يصفون . القول الثاني : أن المراد بالحق في الآية : الحق الذي هو ضد الباطل المذكور في قوله قبله :
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
( 70 ) وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية ، وأنكر الأول .