ومنه قوله تعالى :
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
[ الأنفال : 48 ] ومنه قول الشاعر :
زعموا بأنهم على سبل النجا * ة وإنما نكص على الأعقاب
وهذا المعنى الذي ذكره هنا : أشار له في غير هذا الموضع كقوله تعالى
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ
( 12 ) [ غافر : 11 - 12 ] فكفرهم عند اللّه ذكر اللّه وحده ، من نكوصهم على أعقابهم ، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته ، لم يقتصروا على النكوص عنها ، على أعقابهم ، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم ، لشدة بغضهم لها ، وذلك في قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا
[ الحج : 72 ] وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة ، أظهر عندنا من قول من قال : إنه يوم بدر أو الجوع ، ومن قال من زعم : أن الذين يجأرون : هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم ، فكل ذلك خلاف الظاهر ، وإن قاله من قاله :
قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
[ 68 ] .
يتضمن حضهم ، على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم ، لأنهم إن تديروه تدبرا صادقا ، علموا أنه حق ، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم . وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] وقوله :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[ محمد : 24 ] وقوله في هذه الآية الكريمة
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
[ المؤمنون : 68 ] قال القرطبي : فأنكروه ، وأعرضوا عنه ، وقيل : أم بمعنى : بل جاءهم مالا عهد لآبائهم به ، فلذلك أنكروه ، وتركوا التدبر له
وقال ابن عباس : وقيل المعنى : أم جاءهم أمان من العذاب ، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين ، قال أبو حيان في تفسير هذه الآية : قرعهم أولا بترك الانتفاع بالقرآن ، ثم ثانيا بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين : أي إرسال الرسل ليس بدعا ، ولا مستغربا ، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم ، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن ، واستثصال من كذب وآباؤهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه . وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر وعليه فالآية كقوله :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 9 ] الآية ونحوها من الآيات .
قوله تعالى :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ 69 ] .
قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة يونس ، في الكلام على قوله تعالى :
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ
[ يونس : 16 ] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا .