تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان ، وقد أوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه مقالاتهم لرسلهم ، هو تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان ، وكراهية الحق وقوله :
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
ذكر نحو معناه في قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
( 78 ) [ الزخرف : 78 ] وقوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ
[ الحج : 72 ] الآية ، وذلك المنكر الذي تعرفه في وجوههم ، إنما هو لشدة كراهيتهم للحق ، ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق . أنهم يمتنعون من سماعه ، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه ، كمال قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإشراك به ، وهو نوح :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
( 7 ) [ نوح : 7 ] وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، من الحق ، والدعوة إليه . وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء صلى اللّه عليه وسلم
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
[ فصلت : 26 ] الآية . فترى بعضهم ينهى بعضا عن سماعه ، ويأمرهم باللغو فيه ، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق ، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل . وهذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال : قوله :
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
( 70 ) يفهم من مفهوم مخالفته ، أن قليلا من الكفار ، ليسوا كارهين للحق . وهذا السؤال وارد أيضا على آية الزخرف التي ذكرنا آنفا ، وهي قوله تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
[ الزخرف : 78 ] . والجواب عن هذا السؤال : هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلا من الكفار . كانوا لا يكرهون الحق ، وسبب امتناعهم عن الإيمان باللّه ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق ، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم ، وأن يقولوا صبأوا وفارقوا دين آبائهم ، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق ، الذي جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله :
* اصدع بأمرك ما عليك غضاضة *
الأبيات وقال فيها ،
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا
وقال فيه صلى اللّه عليه وسلم أيضا :
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الأباطل