تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أطوار خلقه الإنسان ونقله له ، من حال إلى حال ، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا . وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة ، والعلقة ، والمضغة ، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة ، وغير المخلقة . والصحيح من ذلك وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا ؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا ؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط ، ومتى يرث ، ويورث ، ومتى يصل عليه ، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الحج : 5 ] الآيات . وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى . أما معنى السلالة : فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء ، إذا استخرجته منه ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
خلق البرية من سلالة منتن * وإلى السلالة كلها ستعود
والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه . ومنه قول حسان رضي اللّه عنه :
فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين
وبناء الاسم على الفعالة ، يدل على القلة كقلامة الظفر ، ونحاتة الشيء المنحوت ، وهي ما يتساقط منه عند النحت ، والمراد بخلق الإنسان من سلالة الطين : خلق أبيهم آدم منه ، كما قال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] . وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب ، وأنه لما بل بالماء صار طيبا ولما خمر صار طينا لازبا يلصق باليد ، وصار حمأ مسنونا . قال بعضهم : طينا أسود منتنا ، وقال بعضهم : المسنون : المصور ، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر ، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء ، كما قال في أول النساء
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[ النساء : 1 ] وقال في الأعراف
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها
[ الأعراف : 189 ] وقال في الزمر :
ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
[ الزمر : 6 ] كما تقدم إيضاح ذلك كله ، ثم لما خلق الرجل والمرأة ، كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل ، فأول أطواره : النطفة ، ثم العلقة . الخ . وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج ، وقوله هنا :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 )
يعني : بدأه خلق نوع الإنسان بخلق آدم ، وقوله
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً
[ المؤمنون : 13 ] أي بعد خلق آدم وحواء ، فالضمير في قوله : ثم جعلناه لنوع الإنسان ، الذي هو النسل لدلالة المقام عليه ، كقولهم : عندي درهم ونصفه : أي ونصف درهم آخر .