وما دخلت في الخدب حتى تنقضت * تآسير أعلى قده وتحطما
وفي صحاح الجوهري : أسر قتبه يأسره أسرا شدة بالأسار وهو القد ، ومنه سمي الأسير ، وكانوا يشدونه بالقد ، فقول بعض المفسرين واللغويين : أسرهم : أي خلقهم فيه قصور في التفسير ، لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد ، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه ، الذي لم يدبغ واللّه جل وعلا يشد بعض العظام ببعض ، شدا محكما متماسكا كما يشد الشيء بالقد ، والشد به قوي جدا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
فِي قَرارٍ مَكِينٍ
( 13 ) القرار هنا : مكان الاستقرار ، والمكين : المتمكن . وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال ، أو لتمكن من يحل فيه . قاله أبو حيان في البحر .
وقال الزمخشري : القرار : المستقر ، والمراد به : الرحم وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها ، أو بمكانتها في نفسها ، لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت . وقوله تعالى في هذه الآية
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 14 ] قال الزمخشري : أي خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانا ، وكان جمادا وناطقا ، وكان أبكم وسميعا ، وكان أصم وبصيرا ، وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره ، بل كل عضو من أعضائه وجزء من أجزائه عجائب فطرة ، وغرائب حكمة ، لا تدرك بوصف الواصف ، ولا بشرح الشارح . انتهى منه .
وقال القرطبي : اختلف في الخلق الآخر المذكور ، فقال ابن عباس ، والشعبي وأبو العالية ، والضحاك وابن زيد : « هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا » « 1 » وعن ابن عباس :
« خروجه إلى الدنيا » « 2 » ، وقال قتادة : عن فرقة نبات شعره . وقال الضحاك : خروج الأسنان ، ونبات الشعر ، وقال مجاهد : كمال شبابه . وروي عن ابن عمر والصحيح ، أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك ، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت . ا ه منه .
والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله
خَلْقاً آخَرَ
أنه صار بشرا سويا بعد أن كان نطفة ، ومضغة ، وعلقة ، وعظاما كما هو واضح .
مسألة
وقد استدل بهذه الآية الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه ، على أن من غصب بيضة ، فأفرخت عنه أنه يضمن البيضة ، ولا يرد الفرخ ، لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة ، فهو غير ما غصب ، وإنما يرد الغاصب ما غصب . وهذا الاستدلال له وجه من النظر ، والعلم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 18 / 8 .
( 2 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 18 / 8 ، 9 .