وقوله تعالى في هذه الآية
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) وقوله
فَتَبارَكَ اللَّهُ
قال أبو حيان في البحر المحيط : تبارك : فعل ماض لا ينصرف ، ومعناه : تعالى وتقدس . ا ه منه .
وقوله في هذه الآية
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير . ومنه قول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري
فقوله : يخلق ثم لا يفري : أي يقدر الأمر ، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم .
ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة ، هل إضافتها إضافة محضة ، أو لفظية غير محضة ، كما هو معروف في محله ؟ فمن قال : هي محضة أعرب قوله
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) نعتا للفظ الجلالة ، ومن قال : هي غير محضة أعربه بدلا ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هو أحسن الخالقين . وقرأ هذين الحرفين
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً
وقوله
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
ابن عامر وشعبة عن عاصم عظما : بفتح العين ، وإسكان الضاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما ، وقرأه الباقون : عظاما بكسر العين وفتح الظاء ، وألف بعدها بصيغة الجمع ، وعلى قراءة ابن عامر وشعبة . فالمراد بالعظم : العظام .
وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس ، قد تطلقه العرب ، وتريد به معنى الجمع . وأكثرنا من أمثلته في القرآن ، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 )
[ 15 - 16 ] .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنهم بعد أن أنشأهم خلقا آخر ، فأخرج الواحد منهم من بطن أمه صغيرا ، ثم يكون محتلما ، ثم يكون شابا ، ثم يكون كهلا ، ثم يكون شيخا ، ثم هرما أنهم كلهم صائرون إلى الموت من عمر منهم ومن لم يعمر ، ثم هم بعد الموت يبعثون أحياء ، يوم القيامة للحساب والجزاء ، وهذا الموت والحياة المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر ، لأنهما إماتتان وإحياتان ذكر من كل منهما واحدة هنا ، وذكر الجميع في قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
[ البقرة : 28 ] وقوله :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
[ غافر : 11 ] كما قدمنا إيضاحه في سورة الحج والبقرة ، وكل ذلك دليل على كمال قدرته ، ولزوم الإيمان به ، واستحقاقه للعبادة وحده سبحانه وتعالى علوا كبيرا .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 )
[ 17 ] .