تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده ، ولا يرفع بصره . وخالف المالكية الجمهور ، فقالوا : إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 144 ] قالوا : فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء ، وذلك ينافي كمال القيام . وظاهر قوله تعالى
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده ، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام ، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا . واعلم أن معنى أفلح : نال الفلاح ، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين : الأول : الفوز بالمطلوب الأكبر ، ومنه قول لبيد :
فاعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر . والثاني : هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم ، ومنه قول لبيد أيضا في رجز له :
لو أن حيا مدرك الفلاح * لناله ملاعب الرماح
يعني مدرك البقاء ، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير ، أو الأضبط بن قريع :
لكل هم من الهموم سعة * والمسى والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء معه ، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها اللّه في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة ، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين ، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما ، فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة : حي على الفلاح . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
[ 3 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من صفات المؤمنين المفلحين : إعراضهم عن اللغو . وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال ، فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل ، وما توجب المروءة تركه . وقال ابن كثير
عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
أي عن الباطل ، وهو يشمل الشرك كما قال بعضهم ، والمعاصي كما قاله آخرون ، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال ا ه منه . وما أثنى اللّه به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية . أشار له في غير هذا الموضع كقوله
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] ومن مرورهم به كراما إعراضهم عنه ، وعدم مشاركتهم أصابه فيه وقوله تعالى
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
[ القصص :
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 516 | الشنقيطي