ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النبي صلى اللّه عليه وسلم تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغيانا وعنادا .
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن كقوله تعالى :
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
( 16 ) [ ص : 16 ] وقوله :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
( 54 ) [ العنكبوت : 54 ] وقوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ
[ العنكبوت :
53 ] .
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة ، من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله :
ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ
[ الأنعام :
57 ] وفي يونس في الكلام على قوله :
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ
[ يونس : 51 ] إلى غير ذلك من المواضع .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ الحج : 47 ] الظاهر أن المراد بالوعد هنا : هو ما أوعدهم به من العذاب الذي يستعجلون نزوله .
والمعنى : هو منجز ما وعدهم به من العذاب ، إذا جاء الوقت المحدد لذلك كما قال تعالى :
وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 53 ) [ العنكبوت : 53 ] وقوله تعالى :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 8 ) [ هود : 8 ] وقوله تعالى :
أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
( 51 ) [ يونس : 51 ] وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر .
ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى :
قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 72 ) [ الحج : 72 ] فإنه قال في هذه الآية في النار : وعدها اللّه بصيغة الثلاثي الذي مصدره الوعد ، ولم يقل أوعدها وما ذكر في هذه الآية ، من أن ما وعد به الكفار من العذاب واقع لا محالة ، وأنه لا يخلف وعده بذلك ، جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة ق
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
[ ق : 28 - 29 ] الآية والصحيح أن المراد بقوله :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
أن ما أوعد الكفار به من العذاب ، لا يبدل لديه ، بل هو واقع لا محالة ، وقوله تعالى :
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
( 14 ) [ ق : 14 ] أي وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال وقوله تعالى :
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ
( 14 ) [ ص : 14 ] كما أوضحناه في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب في سورة الأنعام ، في الكلام على قوله تعالى :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 128 ] الآية . وأوضحنا أنما أوعد به الكفار لا يخلف بحال ، كما دلت عليه الآيات المذكورة . أما ما أوعد به عصاة المسلمين ، فهو الذي يجوز ألا ينفذه وأن يعفو كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ]