ومن آمن من قومه هذه المسافة الطويلة البعيدة من أرض الحجر إلى حضر موت من غير داع يدعوه ويضطره إلى ذلك ، كما ترى . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
[ 46 ] .
بين اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا صلوات اللّه وسلامه عليه ، ينبغي لهم أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها ، لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح ، وأماكن قوم لوط ، وأماكن قوم هود ، فوجدوا بلادهم خالية وآثارهم منطمسة لم يبق منهم داع ولا مجيب ، لتكذيبهم رسلهم ، وكفرهم بربهم ، فيدركون بعقولهم : أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من سخط اللّه مثل ما حل بأولئك الذين مروا بمساكنهم خالية ، قد عم أهلها الهلاك ، وتكون لهم آذان يسمعون بها ما قص اللّه في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم ، وما أصابها من الإهلاك المستأصل والتدمير ، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك .
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى :
* أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[ محمد : 10 ] ثم بين تهديده لكفار مكة بما فعل بالأمم الماضية في قوله :
وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها
[ محمد : 10 ] وكقوله في قوم لوط :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ الصافات : 137 - 138 ] وكقوله فيهم :
وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ
[ الحجر : 76 ] الآية ، وكقوله في قوم لوط وقوم شعيب :
أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 )
. . . وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ
[ الحجر : 78 - 79 ] لأن معنى الآيتين : أن ديارهم على ظهر الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإمام ، والآيات بمثل هذا كثيرة . وقد قدمنا منها جملا كافية في سورة المائدة وغيرها .
والآية تدل على أن محل العقل : في القلب ، ومحل السمع : في الأذن ، فما يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع ، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلا في الإنسان ، لأنه زماني فقط لإمكاني فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى .
قوله تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 )
[ 46 ] .
قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
[ الإسراء : 72 ] الآية . مع بعض الشواهد العربية ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ 47 ] .