تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
[ هود : 100 ] فصرح في هذه الآية بأن منها قائما ، ومنها حصيدا . وأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن : أن القائم هو الذي لم يتهدم . والحصيد هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه . ونظيره من كلام العرب قوله :
والناس في قسم المنية بينهم * كالزرع منه قائم وحصيد
وفي معنى القائم والحصيد ، أقوال أخر غير ما ذكرنا ، ولكن ما ذكرنا هو أظهرها . وذكر الزمخشري ما يفهم منه وجه آخر للجمع ، وهو أن معنى قوله : خاوية : خالية من أهلها من قوله : خوى المكان إذا خلا من أهله ، وأن معنى : على عروشها : أن الأبنية باقية أي هي خالية من أهلها مع بقاء عروشها قائمة على حيطانها . وما ذكرناه أولا هو الصواب إن شاء اللّه تعالى . وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية : يطلق تارة على نفس الأبنية ، وتارة على أهلها الساكنين بها ، فالإهلاك في قوله :
أَهْلَكْناها ،
والظلم في قوله :
وَهِيَ ظالِمَةٌ :
يراد به أهلها الساكنون بها وقوله :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
يراد به الأبنية كما قال في آية :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها
[ يوسف : 82 ] وقال في أخرى :
حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها
[ الكهف : 77 ] . وقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز : أن ما يسميه البلاغيون مجاز النقص ، ومجاز الزيادة ، ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين ، وأقمنا الدليل على ذلك ، وقرأ هذا الحرف ابن كثير : وكائن بألف بعد الكاف ، وبعد الألف همزة مكسورة ، فنون ساكنة وقرأه الباقون : وكأين بهمزة مفتوحة بعد الكاف بعدها ياء مكسورة مشددة فنون ساكنة . ومعنى القراءتين واحد ، فهما لغتان فصيحتان ، وقراءتان سبعيتان صحيحتان . وأبو عمرو يقف على الياء ، والباقون يقفون على النون ، وقرأ أبو عمرو : أهلكتها بتاء المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير ألف ، والباقون بنون مفتوحة بعد الكاف ، وبعد النون ألف ، والمراد بصيغة الجمع ، على قراءة الجمهور التعظيم ، كما هو واضح ، وقرأ ورش والسوسي وبير بإبدال الهمزة ياء والباقون بالهمزة الساكنة .

مسألة

اعلم : أن كأين فيها لغات عديدة أفصحها الاثنتان اللتان ذكرناهما ، وكأين بفتح الهمزة والياء المكسورة المشددة أكثر في كلام العرب ، وهي قراءة الجمهور كما بينا ، وكأين بالألف والهمزة المكسورة أكثر في شعر العرب ، ولم يقرأ بها من السبعة غير ابن كثير كما بينا ، ومعنى كأين : كمعنى كم الخبرية ، فهي تدل على الإخبار بعدد كثير ومميزها له