تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
على وجه النذر والتوبة ، كما في ترجمة الحديث . وقد أمره صلى اللّه عليه وسلم بأن يمسك بعض ماله ، وصرح له بأن ذلك خير له . وقد جاء في بعض الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين ، وأنه يتصدق بالثلث . وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله : « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند ، فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر « 1 » ، وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب ، ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري بهذا السند ، عند أبي داود : « إن من توبتي إلى اللّه أن أخرج من مالي كله للّه ورسوله صدقة قال : لا . قلت : فنصفه ؟ قال : لا . قلت : فثلثه ؟ قال : نعم . قلت : فإني سأمسك سهمي في خيبر » « 2 » . واعلم أن ابن إسحاق في حديثه هذا عند أبي داود ، صرح بالتحديث عن الزهري ، فأمن تدليسه ثم قال ابن حجر : وأخرج من طريق ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه أنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر الحديث وفيه : وإني أنخلع من مالي كله صدقة . قال : « يجزئ عنك الثلث » « 3 » وفي حديث أبي لبابة ، عند أحمد وأبي داود مثله ا ه محل الغرض من فتح الباري . وقد رأيت الروايات المصرحة بأنه يجزئه الثلث عن جميع المال . وظاهر الحديث أنه جازم غير مستشير فمن زعم من أهل العلم أنه مستشير فهو مخالف لظاهر اللفظ ، لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف التوكيد ، الذي هو إن المكسورة في قوله : إن من توبتي أن أنخلع من مالي ، واللفظ الذي هذه صفته ، لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة ، كما ترى فقوله صلى اللّه عليه وسلم لكعب بن مالك وأبي لبابة : إن الثلث يكفي عن الصدقة بجميع المال ؛ هو الدليل الذي ذكرنا بسببه : أن أقرب الأقوال عندنا الاكتفاء بالثلث . وأما قول من قال : يلزمه التصدق بجميعه ، فيستدل له بالحديث الصحيح : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه » وهو يدل على إيفائه بنذره ، ولو أتى على كل المال ، إلا أن دليل ما قبله أخص منه في محل النزاع والأخص مقدم على الأعم . وأما قول سحنون : يلزمه التصدق بما لا يضر به فيستدل له بقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] الآية ، لأن العفو في أصح التفسيرين ، هو ما لا يضر إنفاقه بالمنفق ، ولا يجحف به لإمساكه ما يسد خلته الضرورية . وهذا قد يرجع إلى الأول لأن الثلث من العفو الذي لا يجحف به إنفاقه . فأظهرها الأول كما ذكرنا وباقي الأقوال لا أعلم له دليلا متجها من كتاب ، ولا سنة ، وما وجه به تلك الأقوال بعض أهل
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3317 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3321 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3319 .