ينعقد نذره له بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك ، ولو كان لغوا غير منعقد ، لما كان له أثر بعد الإسلام .
قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا عبد اللّه أخبرنا عبيد اللّه بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر : أن عمر قال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال : « أوف بنذرك » « 1 » انتهى منه . فقوله صلى اللّه عليه وسلم لعمر في هذا الحديث الصحيح : « أوف بنذرك » مع أنه نذره في الجاهلية صريح في ذلك كما ترى ، ولا التفات إلى ما أوله به بعض العلماء من المالكية وغيرهم . وقول المالكية في تعريف النذر ، ولو غضبان لا يخفى أن العلماء مختلفون في نذر الغضبان ، هل يلزم فيه ما نذر أو هو من نوع اللجاج ، تلزم فيه كفارة يمين كما أوضحنا حكمه سابقا .
الفرع الخامس : [ في من نذر أن ينحر تقربا للّه في محل معين ]
اعلم : أنه قد دل الحديث على أن من نذر أن ينحر تقربا للّه في محل معين ، فلا بأس بإيفائه بنذره ، بأن ينحر في ذلك المحل المعين ، إذا لم يتقدم عليه أنه كان به وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية . ومفهومه أنه إن كان قد سبق أن فيه وثنا يعبد ، أو عيدا من أعياد الجاهلية : أنه لا يجوز النحر فيه .
قال أبو داود في سننه : حدثنا داود بن رشيد ، ثنا شعيب بن إسحاق ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير قال : حدثني أبو قلابة ، قال : حدثني ثابت بن الضحاك ، قال : نذر رجل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن ينحر إبلا ببوانة ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا قال :
هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية اللّه ولا فيما لا يملك ابن آدم » « 2 » ا ه منه .
وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية اللّه تعالى ، وأنه لا يجوز بحال ، والعلم عند اللّه تعالى . وإسناد الحديث صحيح .
الفرع السادس : اعلم : أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن من مات وعليه نذر أنه يقضى عنه ،
وسنقتصر هنا على قليل منها اختصارا لحصته ، وثبوته .
قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري ، قال : أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه أن عبد اللّه بن عباس ، أخبره « أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي صلى اللّه عليه وسلم في نذر كان على أمه ، فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه : أن يقضيه عنها
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور حديث 6697 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3313 .