فيصح بيانه بقوله في المائدة :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
الآية . كما أوضحنا في أول المائدة والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ 30 ] .
« من » في هذه الآية بيانية .
والمعنى : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان : أي عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس ، وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان ، ويدخل في حكمها ، ومعناها عبادة كل معبود من دون اللّه كائنا من كان . وهذا الأمر باجتناب عبادة غير اللّه المذكور هنا ، جاء مبينا في آيات كقوله تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النحل : 36 ] وبيّن تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه باللّه في قوله :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
[ البقرة : 256 ] وأثنى اللّه على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين للّه ، وبين أن لهم البشرى ، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى
[ الزمر : 17 ] الآية . وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت ، في قوله تعالى :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
( 35 ) [ إبراهيم : 35 ] والأصنام ، تدخل في الطاغوت دخولا أوليا .
قوله تعالى :
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
[ 30 - 31 ] .
أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور ، وهو الكذب والباطل كقولهم : إن اللّه حرم البحيرة والسائبة ، ونحو ذلك ، وكادعائهم له الأولاد والشركاء ، وكل قول مائل عن الحق فهو زور ، لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل ، والاعوجاج ، كما أوضحناه في الكلام على قوله :
تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ
[ الكهف : 17 ] .
واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ، أن يذكر لفظ عام ، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، وتقدمت لذلك أمثلة . وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه .
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال :
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
( 30 ) بصيغة عامة ، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه صلى اللّه عليه وسلم :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً
( 4 ) [ الفرقان : 4 ] فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور . وقال في الذين يظاهرون من نسائهم ، ويقول الواحد منهم لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
[ المجادلة : 2 ] فصرح بأن قولهم ذلك ، منكر وزور ، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى