لأن مراده بالآخر المقدم على الإباحة : هو الخبر الدال على الأمر ، فالأول الدال على النهي ، لأن درأ المفاسد ، مقدم على جلب المصالح ، ثم الدال على الأمر للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب ، ثم الدال على الإباحة ويشمل غير الواجب ، فيدخل فيه المسنون والمندوب ، لاشتراك الجميع في عدم العقاب على ترك الفعل .
الثالث : أنك إن عملت بقول من أوجبها فأديتها على سبيل الوجوب برئت ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها ، ولو مشيت على أنها غير واجبة فلم تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبا بواجب على قول جمع كثير من العلماء . والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » ويقول : « فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه » « 2 » وهذا المرجح راجع في الحقيقة لما قبله ، والعلم عند اللّه تعالى .
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول : اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن جميع السنة وقت للعمرة إلا أيام التشريق . فلا تنبغي العمرة فيها حتى تغرب شمس اليوم الرابع عشر ، على ما قاله جمع من أهل العلم .
الفرع الثاني : اعلم أنه قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن عمرة في رمضان ، تعدل حجة « 3 » .
وفي بعض روايات الحديث في الصحيح « حجة معي » « 4 » .
الفرع الثالث : اعلم : أن التحقيق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعتمر في رجب بعد الهجرة قطعا ، وأنه لم يعتمر بعد الهجرة ، إلا أربع عمر . الأولى : عمرة الحديبية في ذي القعدة ، من عام ست ، وصده المشركون ، وأحل ونحر من غير طواف ولا سعي ، كما هو معلوم . الثانية :
عمرة القضاء في ذي القعدة ، عام سبع : وهي التي وقع عليها صلح الحديبية .
وقد قدمنا في سورة البقرة وجه تسميتها عمرة القضاء وأوضحناه . الثالثة : عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان ، بعد فتح مكة في رمضان عام ثمان . الرابعة : العمرة التي قرنها ، مع حجة الوداع . هذا هو التحقيق .
وقد قدمنا الإشارة إليه ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام العمرة ، لأن غالب أحكامها ذكرناه في أثناء كلامنا على مسائل الحج . والعلم عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .
( 2 ) . سبق تخريجه .
( 3 ) . أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الحج حديث 1782 ، ومسلم في الحج حديث 211 .
( 4 ) . أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الحج حديث 1863 ، ومسلم في الحج حديث 222 .