تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
الروايات . انتهى منه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ومما يؤيد ما ذكرنا عن النووي : أن رواية حديث عائشة المذكورة التي قال : إنها يجب تأويلها بتفسيرها بالروايات الصحيحة الأخرى فيها ما لفظه : ومن أهل بحجة فليتم حجه ؛ لكثرة الروايات الصحيحة المتفق عليها عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كل من أحرم بحج مفردا ، ولم يسق هديا أن يفسخ حجه في عمرة ، ويحل منها الحل كله ، فعلم أن قولها : ومن أهل بحجة فليتم حجته : يجب تأويله ، وتفسيره بالروايات الأخرى الصحيحة ، كما قال النووي . وقول من قال : إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإحلال منها ، حتى ينحر يوم النحر له وجه قوي من النظر لدخوله في ظاهر عموم قوله تعالى :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] ، وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حل من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محله ، والعلم عند اللّه تعالى . ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الدماء الواجبة بغير النذر . أما الهدي الذي ليس بواجب : وهو هدي التطوع ، وهو مستحب فيستحب لمن قصد مكة حاجا أو معتمرا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام ، وينحره ويفرقه « لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهدى مائة بدنة وهو قارن » « 1 » ويكفي لدم القران بدنة واحدة ، بل شاة واحدة ، وبقية المائة تطوع منه صلى اللّه عليه وسلم : ويستحب أن يكون ما يهديه سمينا حسنا لقوله تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ
[ الحج : 32 ] الآية . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما تعظيمها الاستسمان والاستحسان والاستعظام « 2 » ، ويؤيده قوله تعالى
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ الحج : 36 ] الآية . ومعلوم : أن أقل الهدي : شاة تجزىء ، ضحية أو سبع بدنة أو بقرة كما تقدم إيضاحه ، ولا يكون من الحيوان إلا من بهيمة الأنعام ، وقد تقدم إيضاح الأنعام ، وأنها الأزواج الثمانية المذكورة في آيات من كتاب اللّه : وهي الجمل والناقة ، والبقرة والثور ، والنعجة ، والكبش ، والعنز ، والتيس . واعلم : أن التحقيق أن الهدي والإطعام يختص بهما فقراء الحرم المكي ، وأن الصوم لا يختص به مكان دون مكان ، مع اختلاف في الطعام كما تقدم إيضاحه في سورة المائدة . وأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم ، وتفريقه ، في الحرم أيضا ، خلافا لمن زعم جواز الذبح في الحل ، إن كان تفريق اللحم في الحرم ، والتحقيق أن البدن يسن تقليدها ، وإشعارها فيقلدها نعلين . ومعنى إشعارها : هو جرحها في صفحة سنامها ، ويسلت الدم عنها . والجمهور على أن الإشعار في صفحة السنام اليمنى ، كما ثبت في
هامش
( 1 ) . أخرجه عن علي بن أبي طالب البخاري في الحج حديث 1718 . ( 2 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 113 .