وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة ، وبين غيره . والعلم عند اللّه تعالى .
واستدل أهل العلم بأحاديث الحجامة المذكورة ، على جواز الفصد ، وربط الجرح ، والدمل ، وقلع الضرس ، والختان : وقطع العضو ، وغير ذلك من وجوه التداوي ، إذا لم يكن في ذلك محظور : كالطيب ، وقطع الشعر .
وأما الحك فإن كان في موضع لا شعر فيه فلا ينبغي أن يختلف في جوازه ، وإن كان في موضع فيه شعر كالرأس ، وكان برفق بحيث لا يحصل به نتف بعض الشعر فكذلك ، وإن كان بقوة بحيث يحصل به نتف بعض الشعر ، فالظاهر أنه لا يجوز .
وهذا هو الصواب إن شاء اللّه في مسألة الحك . ولم أعلم في ذلك بشيء مرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإنما فيه بعض الآثار عن الصحابة رضي اللّه عنهم ، وقد قدمنا قول البخاري ، ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا .
وروى مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت : سمعت عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم تسأل عن المحرم ، أيحك جسده ؟ قالت : نعم فليحككه ، وليشدد ، ولو ربطت يداي ، ولم أجد إلا رجلي لحككت « 1 » ا ه .
وأما نزع القراد والحلمة من بعيره ، فقد أجازه عمر بن الخطاب . وكرهه ابن عمر ومالك . وقد روى مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن ربيعة بن أبي عبد اللّه بن الهدير : أنه رأى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقرد بعيرا له في طين بالسقيا ، وهو محرم « 2 » . قال مالك : وأنا أكرهه . وروي أيضا في الموطأ عن نافع : أن عبد اللّه بن عمر ، كان يكره أن ينزع المحرم حلمة ، أو قرادا عن بعيره « 3 » . قال مالك : وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك . وقوله : يقرد بعيره : أي ينزع عنه القراد ويرميه .
وأما تضميد العين بالصبر ونحوه مما لا طيب فيه لضرورة الوجع فلا خلاف فيه ، بين العلماء وأنه لا فدية فيه ، كما أجمعوا على أنه إن دعته الضرورة إلى تضميد العين ونحوها بما فيه طيب . أن ذلك جائز له ، وعليه الفدية .
ومن أدلتهم على جواز تضميد العين بالصبر ونحوه : ما رواه مسلم في صحيحه :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب جميعا ، عن ابن عيينة قال أبو بكر : حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا أيوب بن موسى ، عن نبيه بن وهب قال : خرجنا مع
هامش
( 1 ) . أخرجه مالك في الحج حديث 93 .
( 2 ) . أخرجه مالك في الحج حديث 92 .
( 3 ) . أخرجه مالك في الحج حديث 95 .