فتحصل : أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج ، عند الأئمة الأربعة وبعد التحلل الأول ، وقبل الثاني : لا يفسد الحج عند الأربعة .
وقد عرفت مما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم ، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة ، وقبل التحلل : أفسد عند الثلاثة ، خلافا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبا .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع ، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات الجماع كالقبلة ، والمفاخذة ، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم .
ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك : فمذهب مالك وأصحابه : أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة ، أو غيرها ، إذا حصل معه إنزال أفسد الحج . وقد بينا قريبا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل : فسد عند مالك حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة : لم يفسد حجه عند مالك ، وعليه الهدي . أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع ، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم : فعليه هدي ، والقبلة حرام على المحرم مطلقا عند مالك ، وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد ، فهو ممنوع إن قصد به اللذة ، وإن لم يقصدها به ، فليس بممنوع ، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة وإنما عليه الإثم إلا إذا حصل بسببه مذي فيلزم فيه الهدي ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي .
فتحصيل : أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع ، إن أنزل ، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقا : هدي وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي ، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة وما عدا ذلك من التلذذ ، فليس فيه إلا التوبة والاستغفار ، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع ، أو الإنزال . ومذهب أبي حنيفة رحمه اللّه : أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة ، واللمس بشهوة ، والمفاخذة ونحو ذلك : يلزم بسببه دم ، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل ، ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى ، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة .
ومذهب الشافعي رحمه اللّه : هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة أو قبلها بشهوة : أن عليه فدية الأذى والاستمناء عنده كالمباشرة فيما دون الفرج . وصحح بعض الشافعية : أن عليه شاة ، ولو ردد النظر إلى امرأته ، حتى أمنى ، فلا شيء عليه عند الشافعي .
ومذهب الإمام أحمد رحمه اللّه : أنه إن وطئ فيما دون الفرج ، ولم ينزل : فعليه دم ، وإن أنزل : فعليه بدنة . وفي فساد حجه روايتان :
إحداهما : أنه إن أنزل فسد حجه ، وعليه بدنة وبها جزم الخرقي .
وقال في المغني : في هذه الرواية اختارها الخرقي وأبو بكر ، وهو قول عطاء والحسن ، والقاسم بن محمد ، ومالك ، وإسحاق .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 261
مساهمون: الشنقيطي
ص٢٦١