تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره من حديث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام وهو عام لجميع الأمة . والأظهر دخوله هو صلى اللّه عليه وسلم في ذلك العموم ، فإذا فعل فعلا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول ، دل على أن ذلك الفعل خاص به صلى اللّه عليه وسلم لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل . فيكون خاصا به صلى اللّه عليه وسلم . وقد تقرر في الأصول : أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه لا بنص صريح ، إذا فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعلا يخالفه كان ذلك الفعل مخصصا لذلك العموم القولي ، فيكون ذلك الفعل خاصا به صلى اللّه عليه وسلم . وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى ذلك في كتاب السنة بقوله :
في حقه القول بفعل خصا * إن يك فيه القول ليس نصا
فإن قيل : لا حجة في حديث عثمان المذكور في صحيح مسلم ، على منع عقد النكاح في حال الإحرام ، لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة ، وهو حرام في حال الإحرام إجماعا ، وليس المراد به العقد . فالجواب من أوجه : الأول : أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح ، لا الوطء . الأولى : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال في الحديث المذكور « لا ينكح المحرم ولا ينكح » فقوله : « ولا ينكح » بضم الياء ، دليل على أن المراد : لا يزوج ، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء ، لأن الولي إذا زوج قبل الإحرام ، وطلب الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليها ، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعا ، فدل ذلك على أن المراد بقوله : ولا ينكح ليس الوطء بل التزويج كما هو ظاهر القرينة الثانية : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال أيضا : « ولا يخطب » ، والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها ، وذلك دليل على أن المراد العقد ، لأنه هو الذي يطلب بالخطبة ، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم . الوجه الثاني : أن أبان بن عثمان راوي الحديث وهو من أعلم الناس بمعناه ، فسره بأن المراد بقوله : ولا ينكح : أي لا يزوج ، لأن السبب الذي أورد فيه الحديث ، هو أنه أرسل له عمر بن عبيد اللّه حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير ، فأنكر عليه ذلك أشد الإنكار وبين له أن حديث عثمان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، دليل على منع عقد النكاح في حال الإحرام ، ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث ، بأن المراد بالنكاح فيه العقد لا الوطء . الوجه الثالث : هو ما قدمنا من الأحاديث ، والآثار الدالة على منع التزويج في حال
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 256 | الشنقيطي