تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
واعلم أولا : أن المقرر في الأصول : أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن ، وإن لم يمكن وجب الترجيح . وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور ، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة ، وأبي رافع « أنه تزوجها وهو حلال » ووجه الجمع في ذلك ، هو أن يفسر قول ابن عباس : أنه تزوجها وهو محرم بأن المراد بكونه محرما كونه في الشهر الحرام ، وقد تزوجها صلى اللّه عليه وسلم في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء ، كما ذكره البخاري رحمه اللّه في صحيحه في كتاب : المغازي في باب عمرة القضاء . قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور ، وزاد ابن إسحاق : حدثني ابن أبي نجيح ، وأبان بن صالح ، عن عطاء ، ومجاهد ، عن ابن عباس قال : « تزوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ميمونة في عمرة القضاء » « 1 » ا ه منه . ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة من سنة سبع ، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام ، أو في الحرم أو غير ذلك . وقال ابن منظور في اللسان : وأحرم الرجل : إذا دخل في حرمة لا تهتك ، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام ، وقد أنشده في اللسان شاهدا لذلك قول زهير :
جعلن القنان عن يمين وحزنه * وكم بالقنان من محل ومحرم
وقول الآخر :
وإذ فتك النعمان بالناس محرما * فملىء من عوف بن كعب سلاسله
وقول الراعي :
قتلوا ابن عفّان الخليفة محرما * ودعا فلم أر مثله مقتولا
فتفرقت من بعد ذاك عصاهم * شقفا وأصبح سيفهم مسلولا
ويروى : فلم أر مثله مخذولا ، فقوله : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما : أي في الشهر الحرام وهو ذو الحجة ، وقيل المعنى : أنهم قتلوه في حرم المدينة ، لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك ، سواء كانت زمانية ، أو مكانية أو غير ذلك . وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي : إن معنى قول الراعي : محرما في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام ، وذمته التي يجب حفظها ، ويحرم انتهاكها وأنه لم يحل من نفسه
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في المغازي حديث 4259 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 253 | الشنقيطي