تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
التين : يريد أنها ليست من أركان الحج وإلا فهي واجبة ، ولذلك يجب بتركها الدم ، ولو لم تكن واجبة لم يجب ، وحكى ابن العربي : أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم ، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب . ثالثها : واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج ، كالتوجه على الطريق ، وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له ، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله ، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين ، وقال ابن المنذر : قال أصحاب الرأي : إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام ، فهو محرم . رابعها : أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثوري ، وأبي حنيفة ، وابن حبيب من المالكية ، والزبير من الشافعية ، وأهل الظاهر قالوا : هي نظيرة تكبيرة الإحرام للصلاة ، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام ، عن حقيقة الإحرام ، وهو قول عطاء ، أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه ، قال : التلبية فرض الحج ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس ، وعكرمة ، وحكى النووي : عن داود : أنه لا بد من رفع الصوت بها ، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا . انتهى من فتح الباري . وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية ، فاعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لبى كما ذكرنا وقال : « لتأخذوا عني مناسككم » فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية ، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل : أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها ، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص ، والخير كله في اتباعه صلى اللّه عليه وسلم ، والعلم عند اللّه تعالى . وأما معنى التلبية : فهي من لبى بمعنى : أجاب ، فلفظة : لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور ، وتثنيتها للتكثير : أي إجابة لك بعد إجابة ، ولزوما لطاعتك ، وقال يونس بن حبيب البصري : لبيك : اسم مفرد لا مثنى ، قال : وإنما انقلبت ألفه ياء لاتصالها بالضمير ، كما قلبت ألف لدي ، وإلي ، وعلي في حالة الاتصال بالضمير فتقول : لديك ، وإليك وعليك بإبدال الألف ياء ، والأظهر قول سيبويه ، وجمهور أهل اللغة . ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإضافة للاسم الظاهر لا الضمير كما في قول الشاعر ، وهو أعرابي من بني أسد :
دعوت لما نابني مسورا * فلبّي فلبّي يدي مسور
وقال ابن الأنباري : ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك : أي تحننا بعد تحنن ، وقال القاضي عياض : اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها ، فقيل معناها : اتجاهي وقصدي إليك ، مأخوذ من قولهم : داري تلب دارك أي تواجهها ، وقيل معناها محبتي لك مأخوذ من قولهم : امرأة لبة ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه ، وقيل معناها : إخلاصي لك مأخوذ من قولهم :
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 240 | الشنقيطي