تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
على أنه لا يقضي في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده ، ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور ، يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لقوله في كلامه المذكور : فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء . فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية اصطلاح حادث للفقهاء ، لأن القضاء في الكتاب والسنة يطلق على فعل العبادة في وقتها ، كقوله تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ
[ النساء : 103 ] الآية ، وقوله :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
[ الجمعة : 10 ] الآية ، وقوله تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
[ البقرة : 200 ] الآية . فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء . الوجه الثاني : أنا لو فرضنا أن مالكا رحمه اللّه ، يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء ، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته ، كما هو المعروف في مذهبه . إنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده ، أنه قضاء ؛ يلزم به الدم ، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة ، خرج وقتها بالكلية استنادا لأمرين : الأول : أن رمي الجمار عبادة موقتة بالإجماع ، فإذن النبي صلى اللّه عليه وسلم في فعلها في وقت ، دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة الموقتة ، لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة موقتة بوقت معين ينتهي بالإجماع في وقت معروف ، ويأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها . فهذا لا يصح بحال ، وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في فعل العبادة الموقتة فيه أنه من وقتها ، علم أنها أداء لا قضاء ، والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعا ، لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت . الأمر الثاني : أنه لا يمكن أن يقال هنا : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بالرمي في وقت غير وقته ، بل بعد فوات وقته ، وأن أمره به في ذلك الوقت أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له ، لما قدمنا من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر ، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات وقته ، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه ، وما بعد ذلك . والقضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين : لا يطلق إلا على ما فات وقته بالكلية ، والصلاة في آخر الوقت الضروري أداء عندهم ، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري ، وبعضها بعد خروج الوقت الضروري ، فهي أداء عندهم على الصحيح . ويدل له قوله صلى اللّه عليه وسلم « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 206 | الشنقيطي