تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد . وأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة : الأول : هو أن الجمع واجب إن أمكن ، قالوا : وهو هنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين لم يطوفوا إلا طوافا واحدا للعمرة والحج ، خصوص القارنين منهم ، كالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه كان قارنا بلا شك ، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقا لحديث عائشة ، وحديث ابن عباس المتقدمين ، وهذا واضح كما ترى . قال في مراقي السعود :
والجمع واجب متى ما أمكنا * إلا فللأخير نسخ بينا
وإنما كان قول العلماء كافة : أن الجمع إن أمكن وجب المصير إليه لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، كما هو معروف في الأصول . الجواب الثاني : أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة ، وحديث ابن عباس كما جاء في بعض الروايات ، عن جابر عند مسلم بلفظ ، لا يمكن فيه الجمع المذكور ، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه : حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر رضي اللّه عنه قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان ، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، فقال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من لم يكن معه هدي فليحلل ، قال : قلنا : أيّ الحلّ ؟ قال : الحلّ كلّه . قال : فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسنا الطّيب ، فلما كان يوم التّروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة ، فأمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر ، كلّ سبعة منا في بدنة » « 1 » انتهى . ولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية ، لا يمكن حمله على القارنين بحال ، لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله ، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا الطيب ، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج ، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة ، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى ، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه . وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي ، فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة ، لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي . الجواب الثالث : أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده ، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس ، وعائشة ، وما رواه
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 138 .