من كان ، بالغا ما بلغ من العلم والجلالة . وعائشة رضي اللّه عنها في حديثها الصحيح المتقدم تقول : فمنا من أهلّ بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهلّ بحج ، وأهلّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحج فذكر الأقسام الثلاثة وتصريحها بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أحرم بواحد معين منها ، لا يمكن الجمع بينه ، وبين خبر من قال : إنه أحرم بقسم من القسمين الآخرين كما ترى ، وفي بعض الروايات : أحرم بالحج خالصا ، وفي بعضها : أحرم بالحج وحده ، وفي بعضها :
لا نعرف العمرة الخ . وأحاديث القران فيها التصريح بأنه يقول : لبيك حجا وعمرة فالجمع بينها لا يمكن بحال إلا على قول من قال : إنه كان قارنا يلبي بهما معا ، وسمع بعضهم الحج والعمرة معا وسمع بعضهم الحج دون العمرة ، وبعضهم العمرة دون الحج فروى كل ما سمع وعلى أن الجمع غير ممكن فالمصير إلى الترجيح واجب ، ولا شك عند من جمع بين العلم والإنصاف أن أحاديث القران أرجح من جهات متعددة ، منها كثرة من رواها من الصحابة ، وقد قدمنا عن ابن القيم أنها رواها سبعة عشر صحابيا ، وأحاديث الإفراد لم يروها إلا عدد قليل ، وهم : عائشة ، وابن عمر ، وجابر ، وابن عباس ، وأسماء ، وكثرة الرواة من المرجحات قال في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي :
وكثرة الدليل والرواية * مرجح لدى ذوي الدراية
كما قدمناه في البقرة ومنها : أن من روى عنهم الإفراد ، روى عنهم القران أيضا ، ويكفي في أرجحية أحاديث القران : أن الذين قالوا : بأفضلية الإفراد معترفون بأن من رووا القران صادقون في ذلك ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم كان قارنا باتفاق الطائفتين ، إلا أن بعضهم يقولون : إنه لم يكن قارنا في أول الأمر ، وإنما صار قارنا في آخره ، وقد ذكر ابن القيم رحمه اللّه في زاد المعاد : أن أحاديث القران أرجح من خمسة عشر وجها فلينظره من أراد الوقوف عليها .
وقد علمت مما تقدم : أن القائلين بأفضلية الإفراد ، يقدحون في دلالة أحاديث القران على أفضليته على الإفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول بالموجب ، فيقولون : سلمنا أنه كان قارنا مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإفراد ، لأن قرانه ، وأمره أصحابه بالتمتع ، لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإفراد ، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل ، وإن كان الإفراد أفضل منهما في حد ذاته لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه ، إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته كما قدمنا إيضاحه .
وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحارث المزني في السنن ، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خاصا بذلك الركب في حجة الوداع ، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة ، وغيرهم من المهاجرين ، والأنصار من أفاضل الصحابة ، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير رضي اللّه عنهما وثبت عن الخلفاء الراشدين : أبي بكر ،