ولا عمرة « 1 » . وفي لفظ يلبّي . ولا يذكر حجا ولا عمرة ، ونحو ذلك من الأحاديث ، وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة . وقد أجاب العلامة ابن القيم رحمه اللّه في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة ، فأفاد وأجاد ، والعلم عند اللّه تعالى .
التنبيه الخامس [ الجمع بين الأحاديث الواردة بأنه كان مفردا وكان قارنا وكان متمتعا ]
اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفردا والواردة بأنه كان قارنا والواردة بأنه كان متمتعا لا يمكن الجمع البتة بينها إلا الواردة منها بالتمتع ، والواردة بالقران ، فالجمع بينهما واضح ، لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران ، كما هو معروف عنهم ، ولا يمكن النزاع فيه ، مع أن أمره صلى اللّه عليه وسلم أصحابه بالتمتع ، قد يطلق عليه أنه تمتع لأن أمره بالشيء كفعله إياه أما الواردة بالإفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال ، مع الأحاديث الواردة بالتمتع والقران فادعاء إمكان الجمع بينها غلط ، وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء .
واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه ، فمنهم من جمع بأن أحاديث الإفراد ، يراد بها : أنه أحرم أولا مفردا ، وأحاديث القران يراد بها : أنه بعد إحرامه مفردا أدخل العمرة على الحج ، فصار قارنا فصدق هؤلاء باعتبار أول الأمر ، وصدق هؤلاء باعتبار آخره ، مع أن أكثرهم يقولون : إن إدخال العمرة على الحج خاص به صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يجوز لغيره ، وهذا الجمع قال به أكثر المالكية ، والشافعية . وقال النووي : لا يجوز العدول عنه ، ومنهم من جمع بأن أحاديث الإفراد يراد بها : إفراد أعمال الحج ، والقارن يعمل في سعيه وطوافه ، كعمل المفرد على أصح الأقوال وأقواها دليلا وكلا الجميعين غلط ، مع كثرة وجلالة من قال به من العلماء . وإنما قلنا : إنهما كليهما غلط لأن المعروف في أصول الفقه ، وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضا صريحا ، بل الواجب بينهما الترجيح ، وإنما يكون الجمع بين نصين ، لم يتناقضا تناقضا صريحا فيحمل كل منهما على محمل ، ليس في الآخر التصريح بنقيضه ، فيكونان صادقين ، ولأجل هذا فجميع العلماء يقولون : يجب الجمع إن أمكن ، ومفهوم قولهم : إن أمكن أنهما ، إن كانا متناقضين تناقضا صريحا ، لا يمكن الجمع بينهما ، بل يجب المصير إلى الترجيح . فإذا علمت هذا فاعلم أن أحاديث الإفراد صريحة في نفي القران ، والتمتع لا يمكن الجمع بينهما أبدا وبين أحاديثهما فابن عمر رضي اللّه عنهما في حديثه الصحيح المتقدم يكذب أنسا في دعواه القران تكذيبا صريحا المرة بعد المرة ، كما رأيته سابقا ، فكيف يمكن الجمع بين خبرين والمخبران بهما كل منهما يكذب الآخر تكذيبا صريحا ، فالجمع في مثل هذا محال ومن ادعى إمكانه ، فقد غلط كائنا
هامش
( 1 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 129 .