تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان قارنا والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان متمتعا وكلها ثابتة في الصحيحين ، وغيرهما في حجة الوداع مع الأحاديث المصرحة ، بأنه كان مفردا التي هي معتمدهم في تفضيل الإفراد بأنه صلى اللّه عليه وسلم أحرم أولا مفردا ، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على الحج ، فصار قارنا ، فأحاديث الإفراد يراد بها عندهم ، أنه هو الذي أحرم به أول إحرامه ، وأحاديث القران عندهم حق ، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا وصيرورته قارنا في آخر الأمر هي معنى أحاديث القران ، فلا منافاة . أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعا ، فلا إشكال فيها ، لأن السلف يطلقون اسم التمتع على القران من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج ، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له ، وتأسفه على فواته بسبب سوق الهدي في قوله : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة » « 1 » كفعله له قالوا : وبهذا تتفق الأحاديث ، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج في العمرة لبيان الجواز ، وهو بهذا الاعتبار أفضل من غيره فلا ينافي أن الإفراد أفضل منه بالنظر إلى ذاته ، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم ، قالوا : ولما أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة أسفوا ، لأنهم أحلوا وهو باق على إحرامه ، فأدخل العمرة على الحج لتطيب نفوسهم ، بأنه صار معتمرا مع حجه لما أمرهم بالعمرة والمانع له من أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي ، قالوا فعمرتهم لبيان الجواز ، وعمرته التي بها صار قارنا لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم ، فصار تمتعهم وقرانه بهذا الاعتبار أولى من غيرهما ، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال ، بعد زوال الموجب الحامل على ذلك . قالوا : وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدون : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان رضي اللّه عنهم ، فواظبوا على الإفراد نحو أربع وعشرين سنة ، كلهم يأخذ بسنة الخليفة الذي قبله في ذلك . قالوا : وما قاله جماعة من أجلّاء العلماء ، من أن بيان جواز العمرة في أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بين ذلك بيانا متكررا في سنين متعددة : وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية عام ست ، وعمرة القضاء عام سبع ، وعمرة الجعرانة عام ثمان وكل هذه العمر الثلاث في ذي القعدة من أشهر بالحج . قالوا : وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كاف غاية الكفاية ، فلا حاجة إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة . وكذلك قوله « ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليهلّ » « 2 » المتقدم في حديث عائشة .
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه . ( 2 ) . سبق تخريجه .