للاحتجاج ، قالوا : ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح . وقد قال ابن حجر في التقريب فيه : هو مقبول ، قالوا : واعتضد حديث بما رواه مسلم عن أبي ذر ، كما رأيته آنفا قالوا : إن قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه ، فهو حديث صحيح له حكم الرفع ، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره ، وإن قلنا إنه مما للرأي فيه مجال ، كما يدل عليه كلام عمران بن حصين الآتي ؛ وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه ، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة ، إلا وهو عارف صحة ذلك ، وقد تابعه في ذلك عثمان رضي اللّه عنه قالوا : ويعتضد حديث الحرث بن بلال المذكور أيضا بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان على الإفراد ، ولو لم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك الركب لما عدلوا عنه إلى غيره ، لما هو معلوم من تقاهم ، وورعهم ، وحرصهم على اتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور . وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم ، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار ، كما أوضحه عروة بن الزبير رضي اللّه عنهما في حديثه المتقدم عند مسلم . قالوا : ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإجابته له بقوله : بل للأبد لا يستقيم ، لأنه لا معارضة بين الحديثين لإمكان الجمع بينهما ، والمقرر في علم الأصول ، وعلم الحديث : أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعا ، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى ، لأنهما صادقان ، وليسا بمتعارضين ، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن ، لأن إعمال الدليلين معا أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى ، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين : أن حديث بلال بن الحارث المزني ، وأبي ذر رضي اللّه عنهما محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة : التحتم والوجوب ، فتحتم فسخ الحج في العمرة ، ووجوبه خاص بذلك الركب ، لأمره صلى اللّه عليه وسلم لهم بذلك ، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد . وقوله في حديث جابر : بل للأبد ، محمول على الجواز ، وبقاء المشروعية إلى الأبد . فاتفق الحديثان .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لنا صوابه في حديث « بل للأبد » وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين : هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه تعالى : وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم ، وحمل التأييد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة ، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية ، كما لا يخفى .
واعلم : أن الشافعية والمالكية ، ومن وافقهم يقولون : إن قوله صلى اللّه عليه وسلم « بل للأبد » لا يراد به فسخ الحج في العمرة ، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج ، وقال بعضهم : المراد به
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 101
مساهمون: الشنقيطي
ص١٠١