تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية التمتع على غيره لا بشيء آخر ؛ لا شك في أنه ليس بصحيح ، وأن بيان ذلك محتاج إليه غاية الاحتياج في حجة الوداع ، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان أمرهم صلى اللّه عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة ، والدليل على ذلك : هو ما ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه ، وقد ذكرناه في أول هذا المبحث . قال : كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الحديث . وفيه : فقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول اللّه أي الحل ؟ قال « الحل كله » : وفي البخاري قال « حله كله » فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح : فتعاظم ذلك عندهم ، دليل على أنه في ذلك الوقت ، لم يزل عظيما عندهم . ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية ، لما تعاظم الأمر عندهم ، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر ، دليل على أن العمرة عام ست ، وعام سبع ، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم لشدة استحكامه فيها ؛ وكذلك : إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع ، مودع حريص على إتمام البيان ، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين ، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور : فتعاظم عندهم : أي لما كانوا يعتقدونه أولا ، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج : فكبر ذلك عندهم انتهى منه « 1 » . قالوا : ولشدة عظمه عندهم ، لم يمتثلوا أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة أولا ، حتى غضب عليهم بسبب ذلك . وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكما في نفوسهم ، من أن العمرة في أشهر الحج ، من أفجر الفجور في الأرض ، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر . قالوا : وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هديا لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واعتماره هو مع حجته ، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جدا للبيان المذكور . ومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم ينزل بالكلية : ما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي اللّه عنه بلفظ « وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي ،
هامش
( 1 ) . أخرجه ابن حجر في فتح الباري ، كتاب الحج حديث 1564 .