هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يكن مشركا يوما ما ، لأن نفي الكون الماضي في قوله
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
.
يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى :
* وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ
[ الأنبياء : 51 ] . . الآية .
وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
[ الأنعام 76 - 78 ] .
ومن ظن ربوبية غير اللّه فهو مشرك باللّه كما دل عليه قوله تعالى عن الكفار ،
وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
[ يونس : 66 ] .
والجواب عن هذا من وجهين :
أحدهما : أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي : أي هذا ربي على زعمكم الباطل ، والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليما جدليا ليفحم بذلك خصمه .
فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر : الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربا . لقالوا له : كذبت ، بل الكوكب رب ومما يدل لكونه مناظرا لا ناظرا .
قوله تعالى :
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ
[ الأنعام : 80 ] . . الآية .
وهذا الوجه هو الأظهر ، وما استدل به ابن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
[ الأنعام : 77 ] .
لا دليل فيه على التحقيق لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعا وإظهارا لا لتجائهم إلى اللّه ، كقول إبراهيم
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] وقوله هو وإسماعيل :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ البقرة : 128 ] الآية .
الوجه الثاني : أن الكلام على حذف همزة الاستفهام أي : أهذا ربي ؟
وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز . وهو قياسي عند الأخفش مع أم ودونها ذكر الجواب أم لا ، فمن أمثلته دون أم ودون ذكر الجواب قول الكميت :