هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم ونظيرها قوله تعالى :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
[ العنكبوت : 17 ] الآية .
وقد جاءت آيات أخر تدل على أن اللّه هو خالق كل شيء ، كقوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] ، وقوله
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
[ الزمر : 62 ] إلى غير ذلك من الآيات .
والجواب ظاهر ، وهو أن معنى خلق عيسى كهيئة الطير . من الطين هو : أخذه شيئا من الطين وجعله إياه على هيئة - أي صورة الطير وليس المراد الخلق الحقيقي لأن اللّه متفرد به جل وعلا . وقوله :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
: معناه تكذبون . فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر .
قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ 55 ] الآية .
هذه الآية الكريمة يتوهم من ظاهرها وفاة عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .
وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على خلاف ذلك كقوله
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
[ النساء : 157 ] وقوله
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
[ النساء : 159 ] الآية .
على ما فسرها به ابن عباس في إحدى الروايتين وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد وأبو هريرة ، ودلت على صدق الأحاديث المتواترة ، واختاره ابن جرير وجزم ابن كثير ، بأنه الحق من أن قوله قبل موته أي موت عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه :
الأول - أن قوله تعالى : متوفيك . لا يدل على تعيين الوقت ولا يدل على كونه قد مضى وهو متوفيه قطعا يوما ما . ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى ، وأما عطفه ورافعك إلى قوله متوفيك . فلا دليل فيه لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع ، وإنما تقتضي مطلق التشريك .
وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك ، وعزاه الأكثر للمحققين وهو الحق . خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه .
وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء ، وقال لم أجده في كتابه .