الأدلة وبيان الراجح . وأخيرا قال رحمه اللّه : إنه لا يعنيني بيان الأفضل فهذا أمر مختلف فيه وكلّ يختار ما يترجح عنده . ولكن يعنيني إبطال القول بالمنع من صحة إفراد الحج لأنه قول لم يسبق إليه ، والأمة مجمعة على صحته . فما كان من سماحة المفتي رحمه اللّه إلا أن استحسن قوله ودعا له .
ولكأني بهذا العمل من الشيخ رحمه اللّه الذي أراد به البيان عمليا صورة مما وقع من علي رضي اللّه عنه حينما بلغه عن عثمان رضي اللّه عنه أنه ينهى عن التمتع فدخل عليه وقال : كيف تنهى عن شيء فعلناه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخرج من عنده وهو يقول : لبيك اللهم حجا وعمرة .
أما لينة مع الحق ورجوعه إلى ما ظهر له منه ، ففي آخر دروسه في الحرم النبوي في رمضان الماضي في سورة براءة أعلن عن رجوعه عن القول في الأشهر الحرم بأنها منسوخة . وقال : الذي يظهر أنها محكمة وليست منسوخة . وكنا نقول بنسخها في دفع إيهام الاضطراب ، ولكن ظهر لنا بالتأمل أنها محكمة . وهو الحق الذي ينبغي اعتماده والتعويل عليه .
ومما وقع لي معه رحمه اللّه وأكبرته فيه تواضعه وإنصافه سمعت منه في مبحث زكاة الحلي في أضواء البيان عند سرد الأدلة ومناقشتها ، أن من أدلة الموجبين حديث المرأة اليمنية ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ، فسألها صلى اللّه عليه وسلم « أتؤدين زكاة هذا ؟ فقالت : لا . فقال : هما حسبك من النار فخلعتهما وألقت بهما » .
وأجاب المانعون بأن ذلك كان قبل إباحة الذهب للنساء ، فتساءلت مستوضحا منه رحمه اللّه : وماذا يسمى هذا منه صلى اللّه عليه وسلم سكوته عن لبسه وهو محرم وسؤاله عن زكاته ، فقال : عجبا إن هذا يتضمن وجود اللبس عند السؤال ، ويدل على إباحته آنذاك ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم لا يقر أحدا على محرم ولا يتأتى أن يسكت على لبسها إياه وهو ممنوع ، ويهتم لزكاته ولو أعيد طبع الكتاب لنبهت عليه رغم أن جميع المراجع لم تلتفت إليه ، فهو بهذا يلقن طلبة العلم درسا في موقفه من الحق ، ولكأني بكلام عمر رضي اللّه عنه في كتابه لأبي موسى رحمه اللّه : ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ، ثم راجعت فيه نفسك وظهر لك الحق ، أن تأخذ به ، فالحق أحق أن يتبع . وقد رأينا من قبل للشافعي القديم والجديد .
وهذا ما يقتضيه إنصاف العلماء وأمانة العلم .
هذا ما وسعني ذكره عن حياته العلمية في نشأته وتعلمه وتعليمه ، وعن تراثه العلمي في مؤلفاته وآثاره التربوية في أبنائه وأبناء العالم الإسلامي كله ، رحمه اللّه رحمة
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 295
مساهمون: الشنقيطي
ص٢٩٥