وكان اهتمامه بالعلم وبالعلم وحده وكل العلوم عنده آلة ووسيلة ، وعلم الكتاب وحده غاية . وكان كثيرا ما يتمثل بأبيات الأديب محمد بن حنبل الحسن الشنقيطي رحمه اللّه في قوله :
لا تسوء بالعلم ظنا يا فتى * إن سوء الظن بالعلم عطب
لا يزهدك أحد في العلم أن * غمر الجهال أرباب الأدب
إن تر العالم نضوا مرملا * صفر كف لم يساعده سبب
وترى الجاهل قد حاز الغنى * محرز المأمول من كل أرب
قد تجوع الأسد في أجامها * والذئاب الغبش تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله * مضض المرين ذل وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى * وإبار النحل مشتار الضرب
حقا منه لم يسيء بالعلم ظنا ، ولم يهب في تحصيله شوك النخل ولا إبار النحل ، فنال منه ما أراد واقتحم الحمى على عذارى المعاني ، وأباح حريمها جبرا عليها وما كان الحريم بمستباح .
أما مكارم أخلاقه ومراعاة شعور جلسائه ، فهذا فوق حد الاستطاعة ، فمذ صحبته لم أسمع منه مقالا لأي إنسان ولو مخطىء عليه يكون فيه جرح لشعوره ، وما كان يعاتب إنسانا في شيء يمكن تداركه ، وكان كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه ، وحينما كنت أسائله في ذلك يقول :
ليس الغبي بسيد في قومه * ولكن سيد القوم المتغابي
لم يكن يغتاب أحدا أو يسمح بغيبة أحد في مجلسه ، وكثيرا ما يقول لإخوانه ( اتكايسوا ) أي من الكياسة والتحفظ من خطر الغيبة ويقول إذا كان الإنسان يعلم أن كل ما يتكلم به يأتي في صحيفته ، فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب .
ومما لوحظ عليه في سنواته الأخيرة تباعده عن الفتيا ، وإذا اضطر يقول : لا أتحمل في ذمتي شيئا ، العلماء يقولون : كذا وكذا .
وسألته مرة عن ذلك ، فقال : إن الإنسان في عافية ما لم يبتلى والسؤال ابتلاء ، لأنك تقول عن اللّه ولا تدري أتصيب حكم اللّه أم لا . فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب اللّه أو سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجب التحفظ فيه .
ويتمثل بقول الشاعر :