إبطال الوصية للوارثين منهم ، وذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث » « 1 » .
والجواب ظاهر ، وهو أن آية الوصية هذه منسوخة بآيات المواريث ، والحديث المذكور بيان للناسخ ، وذهب بعض العلماء إلى أنها محكمة لا منسوخة ، وانتصر لهذا القول ابن حزم غاية الانتصار . وعلى القول بأنها محكمة فهي من العام المخصوص ، فالوالدان ، والأقربون الذين يرثون لا وصية لهم ، بدليل آيات المواريث ، والحديث وأما الوالدان اللذان لا ميراث لهما كالرقيقين ، والأقارب الذين لا يرثون فتجب لهم الوصية على هذا القول ، ولكن مذهب الجمهور خلافه .
وحكى العبادي في الآيات البينات الإجماع على أنها منسوخة ، مع أن جماعة من العلماء قالوا بعدم النسخ .
قال مقيده عفا اللّه عنه : التحقيق أن النسخ واقع فيها يقينا في البعض ، لأن الوصية للوالدين الوارثين والأقارب الوارثين رفع حكمها بعد تقرره إجماعا ، وذلك نسخ في البعض لا تخصيص . لأن التخصيص قصر العام على بعض أفراده الدليل ، أما رفع حكم معين بعد تقرره فهو نسخ لا تخصيص كما هو ظاهر ، وقد تقرر في علم الأصول أن التخصيص بعض العمل بالعام نسخ ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود :
وإن أتى ما خص بعد العمل * نسخ والغير مخصصا جل
واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
[ 184 ] .
هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن القادر على صوم رمضان مخير بين الصوم والإطعام . وقد جاء في آية أخرى ما يدل على تعيين وجوب الصوم ، وهي قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
[ البقرة : 185 ] الآية .
والجواب عن هذا بأمرين :
أحدهما - وهو الحق : أن قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
[ البقرة : 184 ] منسوخ بقوله
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .
الثاني - أن معنى يطيقونه لا يطيقونه بتقدير لا النافية ، وعليه فتكون الآية محكمة ،
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .