ويكون وجوب الإطعام على العاجز عن الصوم كالهرم والزمن . واستدل لهذا القول بقراءة بعض الصحابة يطوقونه بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتين بمعنى يتكلفونه مع عجزهم عنه ، وعلى هذا القول فيجب على الهرم ونحوه الفدية وهو اختيار البخاري . مستدلا بفعل أنس بن مالك رضي اللّه عنه .
قوله تعالى :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
[ 190 ] الآية .
هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم ، وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا قاتلوا أم لا كقوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
[ البقرة : 193 ] .
وقوله :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
[ التوبة : 5 ] .
وكقوله تعالى :
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
[ الفتح : 16 ] .
والجواب عن هذا بأمور :
الأول - وهو أحسنها وأقربها - أن المراد بقوله
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار ، فكأنه يقول لهم : هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن .
الوجه الثاني - أنها منسوخة بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] ، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا ، وإيضاح ذلك أن من حكمة اللّه البالغة في التشريع ، أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجا لتخف صعوبته بالتدريج ، فالخمر مثلا لما كان تركها شاقا على النفوس التي اعتادتها ، ذكر أولا بعض معائبها بقوله :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
[ البقرة : 219 ] .
ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت ، كما دل عليه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[ النساء : 43 ] الآية .
ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرّمها تحريما باتا بقوله :
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ المائدة : 90 ] .