ومن ذلك أحد ضربي القول بالموجب لأنه عند البلاغيين ضربان ، وهو عندهم من البديع المعنوي أيضا ، وأحد ضربيه لا يجوز وقوع مثله في القرآن ، وهو حمل لفظ وقع في كلام الغير على معنى يحتمله ، وليس هو مراده ، وذلك الحمل إنما يكون بذكر متعلق آخر غير المتعلق الذي يقصده المتكلم ، أعني بذلك شيئا يناسب المعنى المحمول عليه سواء كان متعلقا اصطلاحيا كالمفعول ، والجار والمجرور أولا . فالأول كقوله :
قلت ثقلت إذ أتيت مرارا * قال ثقلت كاهلي بالأيادي
قلت طولت قال لا بل تطولت * وأبرمت قال حبل ودادي
والشاهد في قوله ثقلت وأبرمت دون قوله طولت ، لأن مراده بقوله ثقلت يعني عليك بأن حملتك المؤونة الثقيلة والمشقة بإتياني مرارا ، فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه أن كثرة زيارته له نعم منه عليه ، ومنن أثقل حملها كاهله وهو ما بين كتفيه .
وقوله أبرمت : يعني أبرمتك أي أمللتك بكثرة التردد عليك فحمله المخاطب على غير مراد المتكلم بأن جعل معناه أبرمت أي أتقنت وأحكمت حبل الوداد بيننا بكثرة زيارتك لي .
وأما قوله طولت : فليس من القول بالموجب لأن المخاطب صرح بنفيه حيث قال لا ، بل تطولت فلم يقل بموجبه بل نفى موجبه صريحا .
ومن هذا النوع الذي متعلقه اصطلاحي قول القاضي الأرجاني :
غالطتني إذ كست جسمي الضنا * كسوة عرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى * مثل عيني صدقت لكن سقاما
لأن مرادها بقولها مثل عيني : أنه كعينها في المحبة إليها فحمله على غير مرادها بأن قال : إنه كعينها في السقم لأنه سقيم من حبها فأشبه عينها في السقم . وسقم أعين النساء ضعف خلقي وتكسر يكون في جفونهن .
وقوله لكن سقاما : بين فيه مراده بمتعلق اصطلاحي وهو التمييز لأن التمييز متعلق عامله ، والمعنى صدقت في تماثلي مع عينها ، ولكن لا في الحب إليها ، بل في كون كل منا سقيما .
ومن هذا الضرب قول ابن دويدة المغربي في أبيات يخاطب بها رجلا أودع بعض القضاة مالا ، فادعى القاضي ضياعه :