تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
والغلو عندهم ما لا يمكن عقلا ولا عادة ، كقول أبي نواس :
وأخفت أهل الشرك حتى أنه * لتخافك النطف التي لم تخلق
ومثل هذا البيت لا يجوز عند أهل البلاغة ، ولكن الغلو عندهم يجوز في بعض الأحول ككونه خارجا مخرج الهزل والخلاعة كقوله :
اسكر بالأمس إن عزمت على الش * رب غدا إن ذا من العجب
وكقول النظام :
توهمه طرفي فآلم طرفه * فصار مكان الوهم في خده أثر
ومر بفكري خاطرا فجرحته * ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
وككونه متضمنا حسن تخييل كقول أبي الطيب يصف فرسا :
عقدت سنابكها عليها عثيرا * لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا
وقول المعري يصف سيفا :
يذيب الرعب منه كل عضب * فلو لا الغمد يمسكه لسالا
فمثل هذا كله جائز عند البلاغيين ، بل هو عندهم بديع معنوي ، ومعلوم أن مثله لا يجوز في القرآن . وما زعمه كثير من أهل البلاغة من أن الغلو جاء في القرآن إلا أنه جاء مقترنا بما يجعله مقبولا وهو اقترانه بما يقربه إلى الصحة ممثلين بقوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ
[ النور : 35 ] فإنه كلام باطل ومنكر من القول وزور سبحان اللّه تعالى علوا كبيرا عن أن يكون في كلامه ما هو قريب من الصحة لأن القريب من الصحة ليس بصحيح في نفس الأمر ، واللّه يقول :
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
[ النساء : 122 ] . ويقول :
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
[ النساء : 87 ] . ويقول :
أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ
[ البقرة : 140 ] ، ويقول :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
[ الأنعام : 115 ] . فهذا الكلام الذي قاله تعالى لا شك في أنه صحيح ، وقوله : يكاد . معناه يقرب . ولا شك أن ذلك الزيت يقرب من الإضاءة ولو لم تمسسه نار ، ولكنه لم يضيء بالفعل كما هو مدلول الآية الكريمة . فإن قيل : قد جاء في كلامه صلى اللّه عليه وسلم ما يدل على جواز الإغراق ، وذلك في قوله صلى اللّه عليه وسلم في بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه عنها وأبو جهم لا يضع عصاه عن