عاتقه ، ومعلوم أنه يضعها في بعض الأوقات كأوقات النوم والصلاة وغير ذلك .
فالجواب : أن قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا يضع عصاه على عاتقه » كناية عن كثرة ضربه النساء .
والمراد بلفظ الكناية لازم معناه ، ولازم معناه المراد به الذي هو كثرة ضرب النساء واقع صدقا بلا شك كما جاء مصرحا به في بعض روايات الحديث في قوله : وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ، فظهر أن المقصود من لفظ الكناية في الحديث واقع حقا بلا شك من غير كذب في مدلول اللفظ بخلاف الإغراق كقوله :
ونتبعه الكرامة حيث مالا *
وقوله :
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فإنه مستعمل في نفس موضوعه وهو كذب لاستحالته عادة ، وليس مستعملا في لازم صادق كالحديث ، فاتضح الفرق .
فإن قيل : الكناية هي اللفظ الذي أريد به لازم معناه كما ذكرتم ولكن من تمام تعريفها جواز إرادة المعنى الأصلي ، وبذلك القيد تفارق المجاز ، كقول الشاعر :
فما يك في من عيب فإني * جبان الكلب مهزول الفضيل
وقول الخنساء في صخر :
طويل النجاد عظيم الرما * د ساد عشيرته أمردا
فإن جبان الكلب ، ومهزول الفصيل ، وعظيم الرماد كنايات عن الجود ، وطويل النجاد كناية عن طول القامة ، مع أنه يجوز في كلها قصد المعنى الأصلي ، لأن الجواد مهزول الفصيل لنحره أمه وصرفه اللبن عنه في الحقوق .
وكذلك هو جبان الكلب لكثرة غشيان الضيوف بيته .
وكذلك هو كثير الرماد لكثرة وقود الحطب لقرى الضيف وطويل القامة طويل النجاد أيضا ، فلا مانع من قصد هذه المعاني الأصلية ، وإن كان المراد الانتقال منها إلى لوازمها ، ولو أردنا أن نقصد المعنى الأصلي في الحديث لقوله : « لا يضع عصاه على عاتقه » لأدى ذلك إلى الكذب المستحيل أو الإغراق في كلامه صلى اللّه عليه وسلم .
فالجواب : أن الفرق بين الكناية والإغراق واقع على كل حال ، لأن المراد بلفظ الكناية لازم معناه ، وإن جاز قصد أصله معه بالنظر إلى ذاته . مع أنه ربما امتنع قصده