أثبت القلة ونفاها إيذانا بأن إثباته لها أولا قاله من غير شعور لما خامره من الحب ، ومن أمثلته ودهشته من غير الحب قول أبي البيداء :
ومالي انتصار إن غدا الدهر جائرا * علي بلى إن كان من عندك النصر
أثبت ما نفاه من النصر للدلالة على شدة دهشته من نوائب الدهر وقصدنا التمثيل مع العلم بأن نسبته الجور للدهر ، لا تجوز لقوله صلى اللّه عليه وسلم « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » ومن ذلك ما يسميه البلاغيون إيراد الجد في قالب الهزل ، كقول الشاعر :
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا * فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضب
فإن قوله : كيف أكلك للضب ، يظهر أنه هزل وهو يقصد به تعييرهم بأكلهم الضب ، وهذا من البديع المعنوي فهو بديع المعنى ، مع أنه لا يجوز في القرآن لاستحالة الهزل فيه ، قال تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ
[ الطارق : 13 - 14 ] .
ومن ذلك حسن التعليل بأنواعه الأربعة المعروفة عند البيانيين ، فإنه بديع المعنى عندهم ، لأنه من البديع المعنوي وهو لا يجوز في القرآن . وسنذكر لكل قسم منها مثالا لنطبق عليه الجواز في اللغة والمنع في القرآن ، فمثال الأول من أقسامه قول أبي الطيب :
لم تحك نائلك السحاب وإنما * حمت به فصبيبها الرحضاء
فهذا بديع معنوي عند أهل البلاغة ، ولا يخفى أن القرآن لا يجوز أن يقع فيه مثل هذا الكذب الذي يدعي صاحبه أن السحاب أصابته الحمى من الغيرة من كرم الممدوح ، فانصب منه العرق لشدة الغيرة ، وأن ماءه هو ذلك العرق الكائن من شدة الغيرة .
وقول أبي هلال العسكري :
زعم البنفسج أنه كعذاره * حسنا فسلوا من قفاه لسانه
ومعلوم أن القرآن لا يجوز فيه مثل هذا الكذب الذي يدعي صاحبه أن علة خروج ورقة البنفسج إلى الخلف كذبه وافتراؤه في زعمه أنه كعذار المشبب به في الحسن .
ومثال الثاني منها قول أبي الطيب :
ما به قتل أعاديه ولكن * يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب
فهذا من البديع المعنوي عند أهل البلاغة ، ولا يجوز أن يقع في القرآن مثل هذا الكذب الظاهر ، الذي يزعم صاحبه أن الممدوح ما قتل أعداءه إلا لأجل الوفاء للذئاب بما عودهم عليه ، من أنه يقتل لهم الرجال ليأكلوا من لحومهم ومعلوم أن الحامل له على