أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلا وهو الحق ، فعدم المجاز في القرآن واضح .
وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن .
وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز ، على أن كل مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر ، فتقول لمن قال : رأيت أسدا يرمي ، ليس هو بأسد ، وإنما هو رجل شجاع ، فيلزم على القول بأن في القرآن مجازا أن في القرآن ما يجوز نفيه .
ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن ، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحته ، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة للّه في القرآن العظيم .
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا : لا يد ولا استواء ولا نزول ، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات ، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها ، بل هي عندهم مجازات ، فاليد مستعملة عندهم في النعمة أو القدرة والاستواء في الاستيلاء والنزول نزول أمره ونحو ذلك ، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز .
مع أن الحق الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها تعالى لنفسه ، والإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ، وطريق مناظرة القائل بالمجاز في القرآن هي أن يقال : لا شيء من القرآن يجوز نفيه وكل مجاز يجوز نفيه ، ينتج من الشكل الثاني لا شيء من القرآن بمجاز ، وهذه النتيجة كلية سالبة صادقة ومقدمتا القياس الاقتراني الذي أنتجها لا شك في صحة الاحتجاج بهما لأن الصغرى منهما ، وهي قولنا : لا شيء من القرآن يجوز نفيه مقدمة صادقة يقينا ، لكذب نقيضها يقينا ، لأن نقيضها هو قولك : بعض القرآن يجوز نفيه ، وهذا ضروري البطلان ، والكبرى منهما وهي قولنا : وكل مجاز يجوز نفيه صادقة بإجماع القائلين بالمجاز ، ويكفينا اعترافهم بصدقها لأن المقدمات الجدلية يكفي في قبولها اعتراف الخصم بصدقها ، وإذا صح تسليم المقدمتين صحت النتيجة التي هي قولنا لا شيء من القرآن بمجاز ، وهو المطلوب .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز ) — صفحة 240
مساهمون: الشنقيطي
ص٢٤٠