قوله تعالى في هذه الآية « إلا لنعلم » يوهم أنه لم يكن عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، مع أنه تعالى عالم بكل شيء قبل وقوعه ، فهو يعلم ما سيعمله الخلق ، كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم : 32 ] ، وقوله تعالى
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ
[ المؤمنون : 63 ] : والجواب عن هذا أن معنى قوله تعالى إلا لنعلم أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب ، فلا ينافي كونه عالما به قبل وقوعه ، وقد أشار تعالى إلى أنه لا يستفيد بالاختبار علما جديدا لأنه عالم بما سيكون حيث قال تعالى
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ آل عمران : 154 ] فقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
بعد قوله
وَلِيَبْتَلِيَ
: دليل على أنه لا يفيده الاختبار علما لم يكن يعلمه سبحانه وتعالى عن ذلك ، بل هو تعالى عالم بكل ما سيعلمه خلقه وعالم بكل شيء قبل وقوعه ، كما لا خلاف فيه بين المسلمين ،
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ
[ سبأ :
3 ] الآية .
قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ
[ 154 ] الآية .
هذه الآية تدل بظاهرها على أن الشهداء أحياء غير أموات ، وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء صلى اللّه عليه وسلم
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] .
والجواب عن هذا : أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية فتورث أموالهم وتنكح نساؤهم بإجماع المسلمين ، وهذه الموتة هي التي أخبر اللّه نبيه أنه يموتها صلى اللّه عليه وسلم .
وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق رضي اللّه عنه أنه قال لما توفي صلى اللّه عليه وسلم « بأبي أنت وأمّي ، واللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كتب اللّه عليك فقد منها ، وقال : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات » « 1 » واستدل على ذلك بالقرآن ، ورجع إليه جميع أصحاب النّبي صلى اللّه عليه وسلم .
وأما الحياة التي أثبتها اللّه للشهداء في القرآن وحياته صلى اللّه عليه وسلم التي ثبت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه « 2 » ، فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا .
هامش
( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الجنائز حديث 1241 و 1242 ، وفضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم حديث 3667 ، والمغازي حديث 4452 و 4453 .
( 2 ) سبق تخريجه في الجزء السادس .