كقوله تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( 183 ) [ الأعراف : 182 - 183 ] وكقوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
[ آل عمران : 178 ] وكقوله تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام : 44 ] . وقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
[ المؤمنون : 55 - 56 ] وقوله :
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
[ مريم : 75 ] وقوله :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
[ الزخرف : 33 ] - إلى قوله -
وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 35 ] إلى غير ذلك من الآيات .
والجواب من أربعة أوجه :
الأول : ويظهر لي صوابه لدلالة ظاهر القرآن عليه ، أن من الكفار من يثيبه اللّه بعمله في الدنيا كما دلت عليه آيات وصح به الحديث ، ومنهم من لا يثيبه في الدنيا كما دلت عليه آيات أخر . وهذا مشاهد فيهم في الدنيا .
فمنهم : من هو في عيش رغد . ومنهم : من هو في بؤس وضيق .
ووجه دلالة القرآن على هذا أنه تعالى أشار إليه بالتخصيص بالمشيئة في قوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] .
فهي مخصصة لعموم قوله تعالى :
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ
[ هود : 15 ] ، وعموم قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ الشورى : 20 ] .
وممن صرح بأنها مخصصة لهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري في كتاب الرقاق في الكلام على قول البخاري [ باب المكثرون هم المقلون ] وقوله تعالى
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
الآيتين .
ويدل لهذا التخصيص قوله في بعض الكفار :
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
[ الحج : 11 ] .
وجمهور العلماء على حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد ، كما تقرر في الأصول .
الثاني : وهو وجيه أيضا : أن الكافر يثاب عن عمله بالصحة وسعة الرزق والأولاد ونحو ذلك كما صرح به تعالى في قوله :
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
يعني الدنيا ، وأكد ذلك بقوله :
وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
وبظاهرها المتبادر منها كما ذكرنا .