سيبويه في كتابه : كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ وهم ببيانه أعنى .
قال : هذه الحكمة إجمالية ، وأما تفاصيل أسباب التقديم وأسراره ، فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع :
الأول : التبرّك : كتقديم اسم اللّه تعالى في الأمور ذات الشأن ، ومنه قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] وقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
[ الأنفال : 41 ] الآية .
الثاني : التعظيم : كقوله :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
[ النساء : 69 ] .
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
[ الأحزاب : 56 ] .
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة : 62 ] .
الثالث : التشريف : كتقديم الذكر على الأنثى ، نحو :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ . . .
[ الأحزاب : 35 ] الآية ، والحرّ في قوله :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
[ البقرة : 178 ] والحيّ في قوله :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
[ الأنعام : 95 ] الآية .
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
[ فاطر : 22 ] . والخيل في قوله :
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
[ النحل : 8 ] . والسمع في قوله :
وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ
[ البقرة : 7 ] . وقوله :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ
[ الإسراء : 36 ] . وقوله :
إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ
[ الأنعام : 46 ] . حكى ابن عطية عن النّقاش : أنه استدلّ بها على تفضيل السمع على البصر ، ولذا وقع في وصفه تعالى :
سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[ الحج : 61 ] . بتقديم ( السميع ) .
ومن ذلك : تقديمه صلّى اللّه عليه وسلّم على نوح ومن معه في قوله :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب : 7 ] الآية .
وتقديم الرسول في قوله :
مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
[ الحج : 52 ] .
وتقديم المهاجرين في قوله :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
[ التوبة : 100 ] .
وتقديم الإنس على الجنّ حيث ذكرا في القرآن .
وتقديم النبيّين ، ثمّ الصّدّيقين ، ثم الشهداء ، ثمّ الصالحين في آية النساء .
وتقديم إسماعيل على إسحاق ، لأنه أشرف ، بكون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من ولده وأسنّ .
وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام ، وقدّم هارون عليه في سورة طه رعاية للفاصلة .