النوع الأربعون في معرفة معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر
وأعني بالأدوات الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف . اعلم أنّ معرفة ذلك من المهمّات المطلوبة لاختلاف مواقعها ، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها ، كما في قوله تعالى :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] فاستعملت ( على ) في جانب الحق ، و ( في ) في جانب الضلال ؛ لأنّ صاحب الحق كأنه مستعل يصرّف نظره كيف شاء ، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض لا يدري أين يتوجه .
وقوله تعالى :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ
[ الكهف : 19 ] عطف على الجمل الأول بالفاء والأخيرة بالواو ، لما انقطع نظام الترتّب ؛ لأن التلطّف غير مرتّب على الإتيان بالطعام ، كما كان الإتيان به مترتّبا على النظر فيه ، والنظر فيه مترتبا على التّوجّه في طلبه ، والتوجّه في طلبه مترتّبا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللّبث وتسليم العلم له تعالى .
وقوله تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
[ التوبة : 60 ] الآية . . عدل عن اللام إلى ( في ) في الأربعة الأخيرة إيذانا إلى أنهم أكثر استحقاقا للمتصدّق عليهم بمن سبق ذكره بالأمّ ؛ لأنّ ( في ) للوعاء ، فنبّه باستعمالها على أنهم أحقّاء بأن يجعلوا مظنّة لوضع الصدقات فيهم ، كما يوضع الشيء في وعائه مستقرا فيه .
وقال الفارسيّ « 1 » : إنما قال :
وَفِي الرِّقابِ
، ولم يقل : وللرقاب ، ليدلّ على أنّ العبد لا يملك .
وعن ابن عباس قال : الحمد للّه الذي قال :
عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ الماعون : 5 ] ولم يقل : في صلاتهم .
وسيأتي ذكر كثير من أشباه ذلك .
هامش
( 1 ) انظر تأويل مشكل القرآن ص 517 ، والبرهان 1 / 175 ، والصاحبي لابن فارس ، ورصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي .
( 2 ) عزاه في الدر المنثور 6 / 400 لابن جرير عن عطاء بن يسار ، لا عن ابن عباس . ورواه الطبري في تفسيره 12 / 708 وفيه ، عطاء بن دينار .