وما زلت في وقفة من ذلك حتى رأيت ابن أبي حاتم قال : أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، حدّثنا أحمد بن مفضّل ، حدّثنا أسباط ، عن السديّ في قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قال : هذه فصل من آية آدم ، خاصة في آلهة العرب « 1 » .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، سمعت صدقة بن عبد اللّه بن كثير المكيّ ، يحدّث عن السّديّ قال : هذا من الموصول المفصول « 2 » .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا عليّ بن الحسين ، حدّثنا محمد بن أبي حمّاد ، حدّثنا مهران ، عن سفيان ، عن السّديّ ، عن أبي مالك قال : هذه مفصولة ، إطاعة في الولد
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
هذه لقوم محمد « 3 » .
فانحلّت عني هذه العقدة ، وانجلت لي هذه المعضلة ، واتّضح بذلك أنّ آخر قصة آدم وحواء
فِيما آتاهُما
وأنّ ما بعده تخلّص إلى قصة العرب ، وإشراكهم الأصنام .
ويوضّح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية ، ولو كانت القصّة واحدة لقال : ( عمّا يشركان ) كقوله :
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما
. . .
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
[ الأعراف : 189 . 190 ] ، وكذلك الضمائر في قوله بعده :
أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً
[ الأعراف :
191 ] ، وما بعده إلى آخر الآيات . وحسن التخلّص والاستطراد من أساليب القرآن .
ومن ذلك قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ
[ آل عمران : 7 ] الآية ، فإنه على تقدير الوصل يكون ، ( الراسخون يعلمون تأويله ) وعلى تقدير الفصل بخلافه .
وقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي الشعثاء ، وأبي نهيك ، قالا : إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة « 4 » .
ويؤيّد ذلك كون الآية دلت على ذم متّبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ .
ومن ذلك قوله تعالى :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ النساء : 101 ] ؛ فإنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ القصر مشروط بالخوف ، وأنّه لا قصر مع الأمن ، وقد قال به لظاهر الآية جماعة منهم عائشة ، لكن بيّن سبب
هامش
- وانظر رسالتي « النبوة والعصمة » فقد فصلت القول في هذه المسألة .
( 1 ) رواه الطبري في تفسيره 6 / 147 .
( 2 ) رواه عبد الرزاق في تفسيره 2 / 246 ، والطبري 6 / 148 .
وعزاه في الدر المنثور 3 / 152 - أيضا - وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن الشيخ .
( 3 ) انظر الدر المنثور 3 / 152 مفردا لابن أبي حاتم .
( 4 ) رواه ابن جرير في تفسيره 3 / 183 ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، كما في الدر المنثور 2 / 6 .