يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
[ الطارق : 6 - 8 ] .
وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيان هذه الآية عند قوله تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
[ النحل : 4 ] ، في سورة النحل ، وفي سورة الواقعة عند قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
[ الواقعة : 58 - 59 ] ، وتقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
[ الإنسان : 2 ] ،
في سورة الدهر .
قوله تعالى :
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 )
[ 8 ] .
« إنه » هنا أي إن اللّه على رجعه ، الضمير فيه ، قيل : راجع للماء الدافق ، أي أنه سبحانه قادر على رجع هذا الماء من حيث خرج ، كرد اللبن إلى الضرع مثلا ، ورد الطفل إلى الرحم ، وهذا مروي عن عكرمة ومجاهد .
وقيل : على رجع الإنسان بعد الموت ، وهذا وإن كان في الأول دلالة على القدرة ، ولا يقدر عليه إلّا اللّه ، إلّا أن في السياق ما يدل على أن المراد ، هو الثاني لعدة أمور :
الأول : أن رد الماء لم يتعلق به حكم ولا أمر آخر سوى إثبات القدرة بخلاف رجع الإنسان بعد الموت ، فهو قضية الإيمان بالبعث . ويتعلق به كل أحكام يوم القيامة .
الثاني : مجيء القرآن بالخلق الأول ، دليل على الإعادة بعد الموت ، كقوله تعالى في يس :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
- أي من ماء دافق -
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 78 - 79 ] ، أي من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب .
الثالث : أن الأول يحتاج معه إلى تقدير عامل ليوم تبلى السرائر ، نحو اذكر مثلا بخلاف الثاني ، فإن العامل فيه : هو لقادر ، أي لقادر على رجعه يوم تبلى السرائر .
ونقل أبو حيان عن ابن عطية قوله : وكل من خالف ذلك إنما فر من أن يكون « لقادر » هو العامل في الظرف ، لأنه يوهم أن قدرته على رجعه مقيدة بذلك . ولكن بتأمل أسلوب العرب يعلم جوازه ، لأنه قال :
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ
[ الطارق : 8 ]